دورُ الفرد في تقليلِ العدوى، عبارة قاربت لفرطِ التِكرارِ حدَّ الابتذال. تتلقّاها الآذان يوميَّا من مُختلفِ المنابرِ في مُحاولةٍ لإقناعِ الأفراد بضرورةِ التزامهِم ببعضِ الوصايَا. عبارةٌ لا شكَّ أنّها وردت على مسمعِ سيّدة من الجنوبِ الكوريّ لم تلقِ لها بالًا، إذ لم تحسب يومًا أنّها ستكون السّببَ في اشتعالِ صلَى الكورونا ببلدِها.

ذكرت المصادر الرسميَّة بكوريا الجنوبيَّة أنَّ البلد صافحَ الفيروس لأول مرّة في العشرين من يناير (كانون الثاني) عن طريقِ سيّدةٍ في منتصفِ الثلاثينيات كانت قد عادت لتوِّها من مدينة ووهان الصينية، لتُتبع من ثمّةَ وعلى مدى شهرٍ كامل بثلاثين حالةٍ أخرى فحسب. ما عدّتهُ السّلطاتُ حينهَا نجاحًا غير مسبوقٍ في كفِّ انتشارِ هذا الوباء وهو ما كان ليستمرّ حتمًا لو تعاملت الحالةُ الواحدة والثلاثون على نحوٍ مُخالف. سيّدةٌ تبلغ الستين من العمر، تُجهل إلى حدّ هذه الساعةِ كيفيّة التقاطِها للعدوى، على عكسِ محاور حركتِها التي باتَ يعلمُها الجميع، إذ تمّ تتبُّعها بالتفصيلِ من لحظةِ الإصابةِ إلى أن تمَّ العزل. حيثُ اكتُشِف أنّها قد زارت خلال تلك الفترةِ عدّة أماكنَ مزدحمة، بل جالت بين المدنِ مرورًا بالعاصمةِ سيول.

وأنّها لسوءِ الحظ كانت قد تعرّضَت في الأثناءِ لحادثِ مرورٍ ألزمها الذهاب إلى أكثرِ من مشفَى أين اقترحَ عليها الأطبّاءُ إزاء حرارتِها المرتفعة الخضوعَ لتحليلِ الفيروس غير أنّها أبت. كما ذكرت أنّها قد حضرت قدّيسيْن في كنيسةِ شينتشونجِي في مدينة دايغو جنوب شرقي البلاد، أولهما في التاسعِ من فبراير (شباط)، والثاني في الأسبوعِ الموالِي. لتختِم بسهرةِ عشاءٍ في فندقٍ مع رفيقاتِها ساءت حالتها الصحيّة على إثرهِ، وهو ما دفعَها للذهابِ إلى المشفَى مُجدّدًا في السابع عشر من فبراير وللخضوعِ أخيرًا للتحليلِ، الذي كشف عن حملهَا لفيروس الكورونا. لتُعلَن بذلك الحالةُ الواحدة والثلاثون في كوريَا ولتتوالَى الإصاباتُ على إثر هذا الإعلانِ في تصاعدٍ مهيبٍ لأناسٍ كانوا قد تواجدُوا في الأمكنةِ ذاتِهَا، كالكنيسةِ والفندُق الذي نزلت بهِ، والمشفَى الذي عولجت فيه عقِب الحادث. حيثُ تعقّبت السلطاتُ تلك الأمكنة تباعًا لتحصلَ منها على 9300 عيّنةٍ اتضح أنّ 1200 منها كانت إيجابيّة.

كنّا لنكتفِي بهذا القدرِ لو أنّنا بصدد القصِّ والتسلِّي، أو كنّا لنعقِّب ببروز كوريا الجنوبيّة كنموذجٍ وعلامةِ أمل وسط هذه الأوضاعِ الصعبة، إذ استطاعت أن تبطئ تفشّي الوباء من جديدٍ، وخفّظت أرقام الإصابات بشكل كبيرٍ باعتمادٍ برنامج واسعٍ ومنظّم لفحصِ العيّناتِ اعتبرتهُ مفتاحَ السيطرة على الأوبئة، حيث اختبرت ما يزيدُ عن 270 ألفِ شخصٍ، أي ما يناهزُ 5200 اختبارٍ لكلّ مليون نسمة، وهو ما يُعد رقمًا لافتًا إذا ما قارنّاه مثلًا بالرقمِ الصادر عن المراكز الأمريكيّة لمكافحة الأمراضِ والوقاية منها، والتي أجرت إلى ذلك الحين أربعةً وسبعين اختبارًا لكلّ مليون نسمة.

غير أنّ ما يعنينَا بالأساس هنا إعادة تأكيدِ دور الفردِ عبر التزامهِ بالقواعدِ على سبيل الحجر الصحيِّ في كسرِ سلسلةِ العدوَى، خاصّة ضمن بلدان يُدرك مواطنوها جيّدًا حالة النظام الصحيّ فيها، وعدم قدرتهِ في مُعظمها على مواجهةِ الأزمة المنتظرة إن لم يعمل كلّ فردٍ على محاولةِ تخفيفِها من جانبه. حيثُ بات الكلُّ يدرك أن الخطر لا يتمثّلُ في الإصابةِ في حدّ ذاتها، وإنّما في سرعةِ الانتشارِ وارتفاعِ عدد الإصاباتِ في الفترةِ الزمنيّة الضيّقةِ ذاتها، وهو ما يُربك النظام الصحيّ ويحولُ دون تقديمِ الرعاية الطبيّةِ اللازمةِ لمُحتاجيهَا.

أكثر من 1200 إصابةٍ في هذه القصّة وفي غيرهَا بالتأكيد كانت لتُتجنّبَ لو أنّ شخصًا واحدًا أدى دوره، مُنتبهًا لما لسلوكياتهِ من تأثيرِ في صحّة أهله ومُجتمعهِ. متّبعًا ما نشر من توصياتٍ بسيطة غير مُكلفة. حيث أكّد مركز السيطرةِ على الأمراضِ والوقايةِ منها (CDC) أهميّةِ الغسلِ المنتظمِ لليدينِ بالماء والصابون لمدّةِ عشرين ثانية على الأقل، أو باستعمالِ مطهّر يحتوِي على أكثر من 60% من الكحول. بالإضافةِ إلى تطهير سطحِ المطبخِ ومقاعد البيوتِ، ومكاتب العمل، ومقابض الأبوابِ، ومفاتيح الإضاءة، والهواتف وأجهزة التحكم عن بعد، فضلاً عن المراحيض والأحواض باعتمادِ محاليلِ التبييضِ المنزليّةِ، ودون خلطِها بمطهّراتٍ أخرى. ذاك أنّ دراسةً نُشرت في أواخر شهر فبراير بدوريّة Journal of Hospital Infection خلصت بعد تحليلِ عدة أبحاث كانت قد كُتبت سابقًا حول الفيروسات التاجيّة البشريّةِ، أنّه إذا سلّمنا أن الفيروس الجديد يُشبهِ «أفراد عائلته» ممّن تسبّبوا بمتلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (SARS) أو بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسيةِ (MERS) فإنّ إمكانيّة بقائه على الأسطحِ كالمعادن والزجاج أو البلاستيك قد تصل لمدة تسعةِ أيامٍ. وهي فترة طويلة حتمًا إذا قورنت بفيروس الإنفلونزا، الذي لا يمكثُ على الأسطحِ أكثر من ثمانيةٍ وأربعين ساعة.

من جانبِها أكّدت منظمة الصحّة الدولية أهميّة تغطية الأنفِ والفمِ عند السعالِ باستعمالِ المرفقِ أو المناديل الورقيّةِ، والتأكّدِ من التخلّص منها على الفورِ. فضلًا عن تجنّبِ الاتّصال الوثيقِ بالأشخاصِ عامّة، وبمن تظهرُ عليهم أعراضُ أمراض الجهاز التفسيّ خاصّةً، بل عدمُ مغادرةِ البيتِ إلّا لقضاء الحاجياتِ الأساسيّة للحدِّ من الانتشار. بالإضافة إلى الحرصِ على عدمِ لمس الوجهِ عند الخروجِ إلّا بعد العودةِ وغسل اليدينِ من جديد.

نصائحُ يعتبرها أهل الاختصاصِ العاصمَ الوحيد والحلّ الأمثل للحفاظِ على معدلات انتقالٍ منخفضة للعدوى، خاصّةً أن فترة طويلة ما زالت تفصِلنا عن تطوير لقاح أو علاج فعّالٍ لمواجهة الفيروس قد تصل وفق بعض الباحثينِ لعام أو أكثر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تغادر, منزل
عرض التعليقات
تحميل المزيد