أزمة قادة الإخوان

تعيش جماعة الإخوان المسلمين أزمة طاحنة منذ الانقلاب العسكري الغاشم على مصر، لكن هذه الأزمة وصلت إلى الذروة في العامين الماضيين، بعد أن فقدت الجماعة كل أوراق الضغط التي بأيديها، فتوقفت المظاهرات وانتهت كل مظاهر الثورة في الشارع المصري، وصارت القيادة عاجزة عن تقديم أي شيء جديد يحرك الماء الراكد.

وفي الأيام القليلة الماضية تصاعدت أزمة جديدة وأخذت حجمًا كبيرًا في وسائل الإعلام، نتيجة طبيعية لهذه الرسالة المنسوبة للمعتقلين، وظهرت على السطح أزمة جديدة للقيادة، تعاملت معها بشكل استفز الكثير من مشاعر أعضاء الجماعة، مثل قول أحد القيادات أننا لم نجبر أحدًا على الانضمام للجماعة، ومن يريد أن يخرج أو يتبرأ من الجماعة حتى يخرج من السجن فليفعل.

والحقيقة أنا لست ممن يشكك في صحة هذه الرسالة وفي نفس الوقت لا أستبعد كونها وثيقة أمنية، لكنها تعبر عن معاناة يعيشها الآلاف من المعتقلين.

ومع ذلك لا يملك الإخوان أي شيء لتقديمه لهؤلاء، فقد فقدت الجماعة كل أوراق القوة التي كانت بيدها طوال الست سنوات الماضية.

والأمر الآخر أن التنازل مع النظام والمصالحة معه لن يجدي نفعًا الآن؛ لأن المعتقلين في سجون الانقلاب صنفان:

الأول: هم عامة المعتقلين بسبب انتمائهم السياسي أو لمشاركتهم في مظاهرات ضد الانقلاب، وهؤلاء خرج الآلاف منهم، والباقي في طريقه للخروج؛ لأن أحكامهم بسيطة للغاية، ومما يدلل على ذلك أن قضية الإعدام المشهورة لمركز مطاي، والتي حكم فيها على 529 شخصًا بالإعدام، جلهم قد أخذ براءات بعد ذلك، وهم الآن خارج السجون.

الصنف الثاني: هم القيادات المؤثرة أمثال البلتاجي والشيخ حازم والشيخ صفوت حجازي والشاطر وغيرهم على كافة المستويات، بالإضافة إلى من شارك في اعمال ثورية أو مسلحة ضد النظام، فهؤلاء لن يخرجوا حتى يتغير النظام.

وبالتالي فما فائدة التنازلات أو المصالحة معه إذًا؟

لعلك تسأل: وما الحل لمواجهة هذا النظام الغاشم؟

الحلول كثيرة وطرحها كثير من المفكرين، لكن مما لا شك فيه أنها ليست حلولًا سهلة، وصعبة التنفيذ في الوقت الحالي نظرًا للواقع الأمني المستحكم على البلاد.

لكن إذا كانت المعركة الآن وضعت أوزارها وانتصر العسكر في هذه الجولة، ولا أعني بذلك انتهاء الصراع بين العسكر والإخوان (وهنا أصر على أن الصراع بين العسكر والإخوان وهو ما يحاول الإخوان الخروج من هذه الثنائية حتى يهربوا من الالتزامات التي يستوجبها عليهم طبيعة الصراع) فما واجب المرحلة؟

من وجهة نظرى المتواضعة الأمر يتطلب العمل على محورين على وجه السرعة في إحداث مناورة سياسية أمام العسكر وهي:

1- اجتماع جميع قيادات الإخوان من القيادة التاريخية والمكتب العام مع وسطاء وحكماء وعلماء من أجل إنهاء أسباب الخصومة والشقاق، ووحدة الصف من جديد.

2- إعلان قيادة الإخوان التنحي، وأقصد بالقيادة جميع القيادات التي قادت المرحلة السابقة من القيادة التاريخية وقيادة المكتب العام، وإعلان إجراء انتخابات جديدة خلال ثلاثة أشهر على مستوى جميع الهياكل، مع إعلانهم عدم الترشح واستعداهم للتحقيق والمساءلة من القيادة الجديدة المنتخبة.

وربما تسأل وما فائدة هذا الإجراء؟ وهل سيكسر الانقلاب؟

فى الحقيقة الانقلاب لن ينكسر إلا بإجراءات ثورية تتبناها جميع القوى الثورية، لكني أقصد بذلك عمل مناورة تحيي الروح من جديد داخل معسكر الجماعة، وفي نفس الوقت ستقلق مضاجع النظام، وصدق الله إذ يقول: وَلَا تَهِنُوا في ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.

فالنظام يحاول منذ ست سنوات في إنهاء أمر الجماعة وشق صفها، فلو اجتمعت الجماعة من جديد واتفقت وعقدت انتخابات عامة على مستوى جميع الهياكل، ألن تكون رسالة قوية أننا لا نزال قادرين على التغلب على العقبات التي وضعها الانقلاب الغاشم؟

الأمر المهم أيضًا هو بث روح الأمل داخل الجماعة، وتنحية هذه القيادة والتي تتعرض للضغوط والتشكيك بسبب عدم نجاحها المتعاقب، فكيف تعمل هذه القيادة وتبدع في ظل هذه الأجواء؟ الحل إذًا هو تغييرها.

وحتى لا أدع مجالًا للتساؤلات حول إمكانية حدوث هذه الانتخابات في ظل الأوضاع الحالية، فأقول: لقد شاركنا بالفعل في انتخابات عام 2017، داخل مصر وفي كل المحافظات، لكنها كانت استكمالية والتغيير فيها كان معدومًا على مستوى القيادات العليا، والجماعة إذا أرادت فعل انتخابات من جديد تستطيع فعل ذلك كما فعلتها منذ عامين تقريبًا.

وإذا كانت قيادة الجماعة تشعر بأنها الحارسة لمبادىء الإخوان، وفي حالة مجيء قيادة جديدة ربما أفسدت ثوابت الجماعة، ففي هذه الحالة لا خير في جماعة تقوم على بعض الأفراد، ربما أصابهم سهم الموت أو فتنة الحياة عصمنا الله وإياهم منها.

فالجماعة لا يزال فيها خير كثير، وهذه التضحيات التي تقدم من عقود، تثبت أن بها من الكوادر التى تستطيع أن تقدم شيئًا لأمتها.

أرجو أن تلقي هذه الرسالة – التي تخرج من قلب يعتصره الألم – قبولًا عند قيادات الإخوان، ويعلنوا انسحابهم من مشهد القيادة وتسليمها لقيادة جديدة، تبث روح الأمل في صفوف الجماعة التي أصاب اليأس كثيرًا من أبنائها وأفرادها، لا بسبب ظلم عدوهم، ولكن بسبب قلة حيلة هذه القيادة التي تراكم عليها الفشل من كل جانب، أسأل الله أن يبرم لنا أمر رشد، يعز فيه أهل الحق والعدل، ويذل فيه أهل الباطل والظلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد