تفاعلنا مع القرار الصادر عن الولايات المتحدة الأمريكية والذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. لست هنا بصدد مناقشة القرار بقدر ما أنا مهتم بالملاحظة. القرار بالنسبة لي، بالرغم من ألمه، فرصة استكشاف جديدة، ونحن شغوفون بالاكتشاف متحمسون للنتائج بطبيعتنا.

لنلاحظ ردود الأفعال التي عبر عنها المتفاعلون جراء القرار، ونحاول تبسيطها إلى رزم مسهلين بذلك التفسير والتمحيص.

الرزمة الأولى: تفاعل لتبرئة الذمة

تحتوي هذه الرزمة على أدبيات منوعة حول الأقصى (شعر، حكم، مشاعر ولاء، أحلام… إلخ). وأقصى حد يمكن أن تنمو به هذه الرزمة هو محاولة توعية الآخرين بأهمية القدس والتعريف به. ويمكن أن تتحول إلى حملات أدبية كبيرة تعرف المسلمين والعالم بحق العودة والأحداث التاريخية التي حدثت وغير ذلك.

مشكلة هذه الرزمة أنها بسيطة. يقول أحدهم: أفعل ذلك لأبرئ ذمتي! ولكن من أين أتت تلك القناعة؟ إنها المسؤولية ولكن قد غم عليها حتى ضاعت ملامحها. الأمر شبيه بالكلام الكثير الذي تجريه في ذهنك، والذي يمكنه أن يثير لديك مشاعر ما، ويجعل غددًا ما تفرز هرمونات معينة.

يمكنك أن تفكر بأي شيء تحب، اصرخ، ردد كلاما بذيئا، فكر بتهشيم رأس أحدهم، وافعل كل ما تشاء، ولكن لا شيء سيحدث! أنت تفعل ذلك بداخلك فقط، تصرخ برأسك فحسب. إنها اللاجدوى من الصراخ، فليس هنالك أذن تسمع هذه الترددات. اصرخ كما تشاء، ولكن (في داخلك).

الرزمة الثانية: حاكم محكوم

تنصب نتائج تحليل هذه الرزمة حول الأسباب وراء التخاذل أو الهزيمة عند المسلمين وترمي بها على الحكام العرب. لا شك أن هذه الرزمة أكثر نضجا من جارتها السابقة وأنها وضعت قدمها الأولى في ساحة الحل ولكن في موقع غير دقيق.

لا نختلف في أن الحكام هم جزء مهم من السبب، ولكنهم ليسوا أصلا. ماذا تريد من الحاكم؟ يعلن الحرب؟ يفتح لك الحدود؟ تعرف الإمكانيات؟ مستعد لتحمل الحصار؟ تتحمل مسؤولية النتائج؟ ولكن قبل كل ذلك هل لديك القدرة على الإجابة عن أضخم الأسئلة: كيف؟ وماذا لو؟

لا أعتقد أن فكرة تحرير فلسطين لم تخطر في بال حاكم عربي أبدًا، بل خطرت ونوقشت، ولكن الأسئلة أكبر من كل شيء. اجتمعت الدول العربية وهاجمت إسرائيل في القرن الماضي بكل ما أوتيت من قوة، ولكن ماذا حدث؟

كلامنا بعيد جدا عن مقارنة الفئة القليلة وقدرتها على غلبة الفئة الكثيرة، كلامنا يتعدى المقارنات المادية، بالرغم من أنها في المرتبة الثانية من معادلة الحل. كلامنا عن غياب الرؤية التي نفعل ما نفعل لأجلها.

لماذا نفعل ذلك؟ لأنه حق وقيمة؟ أم لأجل أنفسنا؟ أم لأجل الآخرين؟ بالنهاية الحكام هم صورة منعكسة لطبقة شعبية نافذة ومؤثرة.

الرزمة الثالثة: الغيبة سببًا

لا يمكن أن نتخيل أن أي عصر من عصور الحضارة الإسلامية كان خاليا من المعاصي الفردية، من العهد المدني إلى ملوك الدولة العثمانية. ولكن بالرغم من تواجد تلك الذنوب الفردية كالزنا والسرقة وشرب الخمر والغيبة، إلا إن المسلمين كانوا ممسكين زمام الأمور.

يقولون يجب أن نكون مؤمنين حقا لننتصر! وهل يمكن أن نعرف متى؟ كم من الوقت نستغرق ليقترب المجتمع نحو الحالة المثالية للمسلم؟ أليس في الأمر خيال؟ يوعزون أسباب عدم النصر لذنوب أفراد. ويتغاضون عن الذنوب الجماعية، ذنب عدم إنتاج رؤية والعمل بمشروع. بالنهاية الواقع أصدق من الحلم.

المنطقة تعج بالتحديات التي هي أكبر ضررا من فلسطين. قتل الآلاف من الأطفال والشباب وابتلت شوارعنا بالدماء وهم أهم وأعظم من أي شيء آخر. هل هنالك رؤية تجمع مجموعة ذكية من المجتمع قادرة على الإجابة عن تلك الأسئلة: لماذا، ماذا، كيف، متى وأين؟ هل نحن قادرون على تطوير تلك الرؤية إن وجدت؟

وأخيرا ماذا لو أسلم ترامب وشهد أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله. هل سنقول إن قراره جزء من السياسة الشرعية ونلتمس له ألف عذر؟

مجددًا تصدمنا كل الأسئلة، وتقول ارجعوا وجددوا جوابكم عن سؤال: لماذا؟ لماذا نستفز؟ لماذا نتألم؟ لماذا نريد ما نريد؟ إنها مشقة الغوص في التحديات، وهي أكثر إرهاقا من تجربة الحلول المطروحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد