أرى أن السعادة الحقيقية تكمن في توازن أمور الحياة، أو ربما ليست السعادة، دعنا نسميها السلام الداخلي أو الراحة النفسية الدائمة، وسببهما الرئيسي هو ذلك التوازن.

إذا طغت يوما الحياة المادية على الروحية، وإن عظمت نجاحات حياتك المادية فستشعر بالافتقار لشيء ما، سعادة منقوصة،

هنالك شيء ما بداخلك لا يجعلك سعيدا بالقدر الذي تريد.

ربما من الصعب أن نكون دائما سعداء أو ربما من المستحيل، ولكن أظنه من الممكن أن نكون دائما في سلام داخلي مع أنفسنا ولو عظمت مشاكل الحياة، هنالك شيء ما يجعل قلبك مطمئنا ومزاجك ليس معكرا، شيء يجهله البعض وربما يسميه برودا أو طول بال، ولكنهم لا يفهمون سحر الذكر والعبادة!

تأثير فقط ركعتين في جوف الليل على بقية يومك، لا يفهمون صلة العبد مع ربه كم هي مريحة لقلبه، وكم أن الروح تكون مطمئنة لتلك الصلة.

لا يمكننا أبدا أن نتجاهل الحياة المادية أبدا! لأننا بذلك نفصل أجسادنا عن الواقع، وليس ذلك هو المطلوب،
فالحضارة وتشييدها شيء مهم جدا، ونحن عندما نضع أهدافا لحياتنا إذا كنا أشخاصا طموحين نهتم بالتقدم والعلم والحضارة.

نضع أهدافا تحتاج إلى بذل الكثير من المجهود في تلك الحياة المادية؛ لأننا نعلم أنه ما من أمة تتقدم فقط بسموها الروحي!

التحدي هنا هو أن تحافظ على الموازنة، موازنة القلب والروح مع العقل والجسد، كلها في آن واحد فلا تطغى واحدة على أخرى، وإلا خسرت السلام الداخلي، وعشت في حياة أشبه بالكابوس، تركض وتركض وتقول حينما أصل حتما سأسعد، لا تهم السعادة الآن بقدر الوصول ولا حتى السلام!

ولكنك مخطئ.. مخطئ جدا!

في نهاية الأمر أنت “إنسان” لست بآلة ليس ذلك هو دورك، الآلة يمكن لها أن تُبرمج وأن تمتلك إمكانيات في يوم ما تفوق إمكانياتك في العمل والحسابات والدقة والسرعة وغيرها من متطلبات العمل، لذا ليس من الطبيعي أن يقتصر دورك في الحياة على دور يمكن للآلة أن تقوم به. إذا نظرت إلى مستقبل التكنولجيا ستجد أنه ربما يتم استبدال أشياء كثيرة في حياتنا ووظائف نقوم بها بآلات ذكية تعمل وحدها، ولكنهم مهما حاولوا فلن يستطيعوا أن يصنعوا إنسانا!

فالإنسان مميز جدا؛ ليست ميزته هو أنه قادر على العمل وحسب، بل ميزته هي أنه قادر على الإحساس والتأمل وبذل المشاعر والعطاء والتفاعل مع الناس، وأنه قادر على أن يشعر بالجمال، وأن يبتسم للورود وأن يشعر بجمال السماء بما تحتويه من غيوم بيضاء أحيانا، وبما تحتويه من نجوم كاللآلئ تزينها أحيانا أخرى، وألوان الزهور والأشجار، وأمواج البحار، وأن يشعر بجمال الطبيعة كلها، أن يدق قلبه في لحظة حب وأن تدمع عيناه في لحظة فرح وأن تسرع نبضات قلبه في لحظة خوف.

كلها مشاعر، كلها تنتمي للإنسان وحده.

كنت قبل قليل أشاهد فيلما وثائقيا يتحدث عن مستقبل التكنولوجيا، وكيف أن العلماء المتفائل منهم يتنبأ بسيطرة الروبوتات علينا وأننا لن نستطيع مقاومتها خلال الخمسة عشر عاما المقبلين، وأما المتشائم منهم فيتنبأ بانعدام وجود الكائن البشري في نفس تلك الفترة!

أصابني وقتها إحباط شديد كيف للحياة أن تكون مادية إلى هذا الحد؟ أن يكرس العلماء اهتمامهم في محاولة أن نصبح أكثر إنجازا للعمل وأكثر دقة وأن نعمل أكثر وأكثر بلا توقف، كيف أنهم اختصروا متطلبات الإنسان في المتطلبات المادية فقط؟ كيف أنهم توصلوا إلى تكنولوجيا تسمى بدمج الآلة مع الإنسان، وفيها يتمكن الناس بتزويد أطفالهم بقدرات تضاهي قدرات الآلة، فمثلا يتسع عقل الأطفال لمعلومات أكثر ويمكنهم بذلك أن يتعلموا لغات جديدة فقط بكبسة زر وغيرها.

تخيلوا أن نصل إلى هذا الحد، فتصبح هكذا هي الحياة!

تتوقف قلوبنا عن الشعور، تظل عقولنا هي المحرك الوحيد لأجسادنا، لا سلام داخلي ولا جمال ولا حب ولا أي شيء.

فقط عمل وعمل وعمل…

فيشبه كل منا الآخر، وعندما يتميز أحد فينا، يكون فقط بسبب تكنولوجيا جديدة اكتشفها وتمكنه من زيادة كفاءته في العمل، تلك هي الميزة الوحيدة الممكنة!

فقط أريد أن أعرف في مصلحة مَن كل هذا؟!

هل ذلك التقدم السريع جدا في عالم التكنولوجيا هو خير لنا أم شر؟

هل خلقنا الله –سبحانه وتعالى- لأجل ذلك فقط؟

هل إذا وصلنا إلى هذا الحد من التكنولوجيا نكون قد وصلنا إلى التطبيق الفعلي لاستخلافنا في الأرض؟

أم أننا ربما ضللنا الطريق واختل توازننا؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد