سلمى صراوي
سلمى صراوي

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلّا التي كان قبل الموت بانيها فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه وإن بناها بشرٍّ خاب بانيها

عام تلو عام، شهر يتبع آخر، أسبوع بعد أسبوع، يوم وراء يوم، ساعة تدق أخرى، دقيقة تدفع أختها، ثم… ثانية خاطفة تباغتنا فيها الملائكة لتقبض روحنا، هكذا في طرفة عين يقطعنا سيف الوقت، معلنًا نهاية موسم الغرس وبداية الحصاد، وهكذا تمضي بنا الحياة من الميلاد حتّى الممات.

فماذا لو علمنا بطريقة ما أن لدينا أربعا وعشرين ساعة فقط لنعيشها، أربع وعشرون ساعة لن تتكرر مرة أخرى، سنفقد بعدها صفة الكائن لنتحول إلى كان، ساعات ينتهي بعدها كل شيء ويتوقف الشهيق والزفير، يتوقف النبض، تُغلق العينان وينتهي ضخ القلب للدماء في مختلف أنحاء الجسد، تتعطل كل الوظائف الفسيولوجية، تنخفض درجة الحرارة، ويميل لون أجسادنا إلى الزرقة.

86 ألفا و400 ثانية لدينا لنغلق إلى الأبد تلك العينين اللتين رأتا الجمال والقبح، ملايين الصور والوجوه السعيدة والكئيبة، والكثير من العيون، صور وذكريات مبهمة من الطفولة، ذكرى الحب الأول، والصديق الأول، والفرحة الأولى، والصدمة الأولى، وصوت أمهاتنا ووجههن الجميل في كل حالاته، وظل آبائنا وإخواننا في الممر قادمين من العمل مساء، ورسوماتنا المتحركة المفضلة، وبرامجنا المفضلة، وفريقنا المفضل.

هواتفنا الذكية وحواسبنا الإلكترونية التي لا تكاد تفارقنا، كتبنا ومذكراتنا، صور الناس الذين تركوا بصمة في حياتنا، نقودنا أيضًا سنتركها ونرحل، بطاقات رخصة السياقة والهوية وغيرها، الشهادات التي تحصلنا عليها، جميعها سنتركها ونرحل.

حسابات تواصلنا الاجتماعي، بطاقات شخصية لأشخاص التقيناهم في ندوات ومحافل أعطونا إياها أو طلبناها منهم لنعاود الاتصال بهم مرة أخرى لكننا لم نتصل أبدًا ولن نتصل. أشخاص ظلمونا عن قصد وعن غير قصد، أشخاص لربما ظلمناهم واعتذرنا من بعضهم، ولم يسعفنا الوقت لنعتذر من البعض الآخر للأسف.

ذكرى ضحكاتنا مع إخوتنا وتدليل أمهاتنا لنا وهي تلعب بخصيلات شعرنا أثناء وضع رؤوسنا على ركبتهن، وذكرى لقيا مشايخنا وأحبابنا في جلسات العلم والذّكر، ومدى فرحتنا بهم وبتلك اللحظات والأيام.

سيصبر والدانا قليلا، سيعانق والدنا كل المعزين في خيمة والحزن يفطّر قلبه، لم يكن يكلمنا كثيرًا، لم نخرج لارتشاف فنجان قهوة قط، فلربما لم يكن الأب المثالي لكنه أفنى عمره لأجلنا. سيحتاج أن ينزل الله عليه إيمانًا وصبرًا كثيرًا كي يعيش. ستبكي علينا أمهاتنا اللاتي فقدن أعزّ أولادهن. هن كذلك سيحطن رأسهن على سجادة الصلاة ويبكين ويدعنّ لنا وقلوبهن تعتصر حزنًا وألمًا.

سيبكي علينا الكل حتى أولئك الذين لم نتخيل يوما أنهم سيفعلون، حتى الناس الذين لا يعرفوننا سيبكوننا وسيتحسرون على رحيلنا إن أخبروهم بوفاتنا، ستبكينا أم أخرى في مدينة أخرى لأنها تخيلت نفسها في وضع والدتنا لتتدفق عيناها بالدموع الحارقة، سينعينا أصدقاؤنا على حساب الفيسبوك، سيعلق آخرون على صورنا وخصوصا الصورة التي وضعت منذ مدة قصيرة جدا، لم نكن نعرف أنها آخر صورة سنضعها قبل موتنا. إنَّا لله وإنا إليه راجعون.

سيتغير الكثير بسبب موتنا، سيأخذ البعض خلوة لمراجعة النفس ومحاولة تهذيبها لأن الدنيا فانية، سيباشر تاركو الصلاةِ الصلاةَ بعدما صلوا علينا الجنازة مباشرة، كلهم دون استثناء تخيلوا أنهم في مكاننا ففَرّوا إلى الله خائفين، كي يغفر عنهم ذنوبهم ويعطيهم فرصة أخرى، منهم من سيستمر ومنهم من سينسى ويعود إلى النقطة التي بدأ منها. منهم من سيكتم صوته بالوسادة ويبكينا ليلا لساعات لأننا رحلنا ولن نعود.

الرحيل مؤلم ولو كانت العودة مضمونة، فما بالك برحيل دون عودة؟ منهم من ستقفز دمعة من عينيه بعد سنين إن تذكرنا أو رأى صورنا أو سمع صوتنا في تسجيلات أو فيديوهات، أو شيء ذكّره بنا.

سيبكي الجميع لأنهم ظنوا طيلة حياتهم أن الموت، ذلك الرهيب الغريب، لا يطرق إلا باب الآخرين الذين يعيشون بعيدا أو يسكنون في الحي الخلفي، كبار السن والمرضى، أولئك الغرباء الذين تتوقف حركة السير أثناء مرور موكب جنازاتهم أو أولئك الذين يعيشون في مناطق الحروب والكوارث، يموتون بالجملة ويدفنون بالجملة.

هذا ما سيقع في محيطنا باقتضاب إن طرق الموت بابنا.

سنتقبل غالبا الأمر بصدمة، سنظنها مزحة في بداية الأمر لكننا سنصدّق بعدها، سنفكر في كل تلك الأشياء التي لم نفعلها قبل اليوم، سنهرع إلى بيوتنا ونعانق أمهاتنا، من رحمها خرجنا وإلى حضنها عدنا الآن نبحث عن الحب والأمان، سنعانق آباءنا وإخوتنا ونطلب المسامحة منهم، نطلب المغفرة من الله بحرقة، سنود أن نتصل بكل الناس الذين صرخنا بوجههم يوما أو آذيناهم عن قصد أو عن غير قصد لنعتذر لهم لكن الوقت لن يسعفنا، سنتذكر كل الذكريات الجميلة والأشخاص الذين مروا بحياتنا. سنعود إلى حضن أمهاتنا ثانية وسنظل لساعات، ستمتزج دموعنا، سنصلي ونبكي لأننا نعتقد أننا لم نفعل الكثير من الأشياء الجيدة خلال حياتنا، وندعو الله أن يغفر لنا ما قدّمنا وما أخّرنا.

ستمر الساعات بسرعة. ستغلق هنا أعيننا إلى الأبد. سيغسلوننا ويحملوننا إلى المسجد لصلاة الجنازة مغبرين عيونهم حمراء من كثرة البكاء، لن تسمع صوت أحد. إنَّا لله وإنا إليه راجعون.

الحياة كقيمة مجرّدة تافهة حتى النخاع، وكقيمة مضافة – إلى الآخرة – هامة جدا حتى الدماغ؛ فالحياة تكتسب قيمتها فقط عندما تتصل بشيء ما أسمى. فعندما ننظر للحياة من هكذا منظار مع وضع الموت في المعادلة ندرك كم هي تافهة ولا تستحق! وعندما نضيف إلى المعادلة الجنة والنار والحساب، ندرك مدى أهميتها، أو بالأحرى مدى أهميتنا نحن وما نفعله فيها من عمل!

نسأل الله حسن الخاتمة وأن يختم لنا بخير ويغفر لنا ما قدمنا وما أخّرنا، و ويحشرنا وأحبابنا مع الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم والنبيّين والصدّقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى من الجنة، والنظر الى وجهه الكريم من غير ضرّاء مضرّة ولا فتنة مضلّة، والشرب من حوض الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك