حرب على الإسلام بأي معنى؟

إن المتأمل لتاريخ الصراع بين الغرب والعالم الإسلامي؛ يجد أن الدين يلعب دورًا رئيسيًّا في تحريك هذا الصراع، ينطبق هذا القول على الحقبة الكنسية، في ما عرف تاريخيًّا بالحروب الصليبية، وينطبق أيضًا على الحقبة العلمانية، أيام النظام الدولي الجديد، في ما يعرف بالحرب على الأصولية الإسلامية والإرهاب، لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل هناك حقًّا حرب على الإسلام؟ أم هي مجرد تخرصات بعض المهووسين بنظرية المؤامرة؟ وإذا كانت حقًّا فهي حرب بأي معنى؟

لكي نجيب عن هذين السؤالين؛ فإننا سنقترح السيناريو التخيلي التالي:

ماذا لو اجتمعت الدول الإسلامية قاطبة، وحرقت المصاحف، وهدمت الكعبة، وأقامت مكانها نصبًا تذكاريًّا على شكل فأر كبير! وبدأ الناس يعبدون هذا الفأر، ويطوفون حوله، ويقدمون له القرابين، وانسلخوا عن كل القيم الإسلامية، فلنقل إن النساء نزعن الحجاب، بل أصبحوا نساءً ورجالًا يمشون في الطرقات عراة، فلنقل إنهم أصبحوا يعاقرون الخمر، فلنقل إنهم أصبحوا زناة، فلنقل إنهم أصبحوا ربويين! لكي لا نطيل؛ إنهم تجردوا من كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، إنهم لم يعودوا مسلمين ولا محمديين، إنهم أصبحوا فأرانيين، نسبة إلى فأرهم المعبود، السؤال هنا هل سيتوقف غزو هذه البلدان باسم الإرهاب؟

إنني الآن متأكد، بأنه سيخرج الإعلام الدولي، ليقول: «لقد تحرر العرب!»، وسيخرج بعض الوكلاء لكي ينظِّروا إلى هذه النهضة العربية العملاقة! سيقولون: «انظروا إلى العرب، لقد جعلوا من الفأر رمزًا لنهضتهم، ألا ترون ما يمثله الفأر من قيم الحرية، والمساواة، لقد أصبح العرب أمة متقدمة متحررة، انظروا كيف يسيرون في الطرقات، إنها فلسفة المهاتما غاندي، ينبغي أن يحيا الإنسان متجردًا من كل لباس، تلك هي فلسفة المصالحة مع الطبيعة، وستعلو أصوات من هنا ومن هناك، سيبرز فلاسفة الانبهار، وسيسوِّدُون الأوراق، لكن مهلًا؟!

فلنكمل السيناريو:

ماذا لو قام العرب عباد الفأر هؤلاء، وقالوا: لن نأكل إلا ما نزرع، ولن نلبس إلا ما ننسج، وسنصنع أسلحتنا بأيدينا، أما ثرواتنا، نفطنا، ذهبنا، أرضنا، زراعتنا، خيراتنا، كلها لنا! ثم قالوا بعد كل هذا: «عاش فأرنا العظيم! المجد لفأرنا رمز نهضتنا!».

هل تتوقعون أن تصفيق النظام الدولي سيستمر؟ هل تتوقعون أن أبواق الوكلاء ستستمر على نهجها؟ نعم إن الفأر هو هو، لكن…

السيناريو واضح للعيان، سيعلن النظام الدولي حربًا شعواء على الإرهاب، وسيهدم أول ما يهدم ذلك الفأر رمز الإرهاب والتخلف! سينادي المنادي فيهم: «اقضوا على الفأرانيين! لا تتركو فأرًا واحدًا!» وستنشط الأبواق مجددًا: «انظروا إلى الفأر، رمز التخلف والأسطورية! انظروا إلى أي درجة انحطت هذه العقول! لقد جئنا لنحرركم من الخرافة، هاتوا المزيد من النفط! هاتوا المزيد من الأرض أيها الهمج».

ثم نعود إلى سؤالنا لنكرره بصيغة أخرى، أين تتجسد مشكلة الغرب مع الإسلام، أي الحرب على الإسلام بأي معنى؟

إن الإسلام يحارب لأنه المقوم الأساسي من مقومات الهوية لهذه الشعوب، والهوية تعني التميز، والانفراد والاعتزاز بالذات، كما أن سؤال الهوية هو أول سؤال يطرح في الطريق إلى الحضارة، أي أن يطرح سؤال: «من نحن؟»، فإذا كان هذا السؤال «نابعًا من الذات»، وأجابت عنه شعوبنا بأننا أمة عربية إسلامية، استشعرت موقعها الحضاري، وقالت آنئذ: نحن أمة متخلفة، إذن فلنطرح سؤال النهضة، أي كيف ننهض؟ أو كيف ننبعث من جديد؟ من هذا المنطلق يحارب الإسلام، وتحارب الهوية بطرح «سؤال الهوية المُصدَّر» هنا ينبغي أن نميز في سؤال الهوية بين نوعين:

سؤال هوية نابع من الذات: وهو سؤال ناتج من اضطراب داخلي في ذات الإنسان، وكيانه، ومجتمعه، وهذا النوع من سؤال الهوية يكون الهدف منه البحث عن هوية «دافعة/ جامعة»، أي هوية تدفعه إلى الحركة الدءوبة، بما تمده به من روح متجددة، وطاقة على المضي قدمًا، وجامعة؛ أي أنها تقوده إلى محاولة لَمّ الشمل، وتقليص الفوارق؛ أي توسع أفقه من القبلي، إلى العرقي، إلى الإقليمي، إلى الإنساني، هذه الخصائص عند تأملها سنجد أنها هي عينها الإسلام ومفاهيمه الخالدة.

سؤال هوية مُصَدَّر: أي سؤال الهوية الذي صُدر إلى العالم الإسلامي، عبر ترسانة المفاهيم الوافدة، التي تلعب في الجينات المكونة للهوية، فانطلاقًا من المفاهيم الحضارية الوافدة تجري زعزعة الهوية الأصلية، ويطرح سؤال الهوية، لكن؛ هذا النوع من سؤال الهوية، لا يكون جامعًا، ولا دافعًا! فسؤال الهوية هنا؛ يقود إلى البحث عن هويات مستوردة، هجينة، غير أصيلة، أو يقود إلى تفكيك الهوية الجامعة إلى هويات مفككة، وقابلة للتفكيك من جديد، هذا الأمر ينطبق على الكثير من الدعوات التي تبرز في البلدان العربية من حين لآخر، بدعوى تراث ما قبل الإسلام، أو العرق، أو اللغة، أو الجنس، أو القبيلة، كما أن هذا النوع من سؤال الهوية يكون مثبطًا عن النهوض مشعرًا بالمنبوذية، والهزيمة، والتشتت.

إن خطاب الـ«نحن»، والـ«هم» هو أول خطوة في طريق النهوض، أي الاعتراف بالتميز، واستشعار المهمة الحضارية، ونبذ التبعية للغير، وهذا لن يكون للشعوب العربية بغير إسلام؛ لأنه هو عنصر التميز الرئيسي، ومن هنا كان من صالح الغرب أن يُنحَّى الإسلام من وجدان العرب، وأن يصبح العرب شعوبًا متفرقة، متناحرة، من غير هوية جامعة، فوحدها هذي الخطة تضمن التبعية الحضارية للغرب وتضمن له أيضًا امتصاص الثروات في هدوء وطمأنينة، والتاريخ هنا خير شاهد، فنهضة أوروبا وحضارتها المادية قامت على اللصوصية، وسرق مقدرات الشعوب المستضعفة، ولا يمكن أن تسمح باستفاقة هذه الشعوب مجددًا عن طيب خاطر! هنا نستحضر مفهوم «الاستحمار» لعلي شريعتي، ولا استحمار من غير تفريغ الوجدان، أي إنه لا يمكن أن تظل هذه الشعوب مستحمرة، إلا إذا كانت فاقدة للروح الدافعة الجامعة.

من هذا المنطلق تشن على الإسلام حرب تميع؛ يراد منها جعل الإسلام مطاطًا بحيث يقبل المسلم كل دخيل من المنتجات المادية والمعرفية، من غير تمحيص ولا مساءلة، ثم يقولون أليس الإسلام دين تسامح وانفتاح؟ نعم! الإسلام دين تسامح، وانفتاح، وقبول الغير، لكنه ليس دين ذل، واستكانة، وتسول معرفي ومادي.

وحرب تشوية؛ وهي تلك الحرب التي يراد منها إبراز تلك الحركات الشاذة التي تهجم على الآمنين باسم الإسلام، تقطع الرؤوس، وتهجر، وتغتصب، ثم يقولون أليس الإسلام دين جهاد؟ نعم الإسلام دين جهاد، لكنه ليس دين ظلم وهمجية ووحشية، إنه دين القسط.

هلا نعود إلى صديقنا الفأر! لنطرح السؤال التالي: إذا كان الفأر يشكل هوية جامعة دافعة، فلماذا لا نستبدل الفأر بالإسلام؟ (والفأر هنا رمز لكل هوية قد تخلق أو تستورد) نقول إن الإسلام راسخ في عمق الوجدان والتاريخ، ولا يمكن انتزاع العمق التاريخي ولا العمق الوجداني، كما أنه لا يوجد خير من الإسلام بأفقه الإنساني الرحب، وبما يشتمل عليه من تعاليم ربانية قادرة على إعادة بعث الروح، وتحريك الفكر والحواس، لذلك نقول: «الفأر للفئران والإسلام للإنسان».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد