إنّ أول ما يَنتجُ عن التفكير الإنساني بوجدانيته وما يدفعه للبقاء والاستمرارية – رغم كل الظروف ومراحل الحياة السيئة التي مرّ بها أيّ بشري – هو الشعور بالأمل، ونُضج هذا الشعور يأتي بترتيباتٍ أضحت بالأساس جزءًا من التكيف الطبيعي الذي حققته البشرية في ذروة تطورها النفسي منذ العصر القديم إلى يومنا هذا. لكن ما الذي يمنعنا من القول إنه من الممكن أن يمر بعضٌ أو كثير منّا بظروفٍ سيئة طوال فترة حياتهم، أو على الأقل بجزءٍ كبيرٍ منها؛ وبدون أن يسعفهم الأمل، ومع ذلك نجدهم متمسكين بقشة الأمل لآخر نفس لديهم، فما سرُّ هذا التمسك الوجودي بالحياة لدى الجنس البشري على مرّ العصور؟

إن الملخص لهذه الظروف هو الجدوى من البقاء، والتي لخصتها الفلسفة القديمة عند أعظم الفلاسفة اليونانيين؛ وجاء ذلك من خلال محاولاتِ بحثهم عن طريقة للرفاهية والرخاء والتي جاءت تحت مسمى «يودايمونيا».

يقول أرسطو في ذلك إن كل الناس يتفقون على أن «يودايمونيا» هي أعلى الخيرات للبشر، مع وجود خلاف أساسي حول نوع الحياة الذي يعد فعلًا جيدًا، ليذكر بعدها المفاهيم التي تتعلق بالحياة الجيدة؛ والتي تتلخص في حياة السعادة وحياة النشاط السياسي، وحياة الفلسفة، والتي تلاها موافقة أبيقور لما قاله، بشرط أن تكون متناسقة مع القيم. فإدخال القيم الخاصة بالمجتمع الإنساني يعد أساسًا للحياة الجيدة، فلطالما كان هناك بحثٌ قائم من قبل الفلاسفة القدماء عن أعلى جودة للحياة وفق نظرتهم الخاصة، ولربما نجدُ أن أكبر تلخيصٍ للبحث عن هكذا نوع من الحياة كان من خلال ابتكار أفلاطون لمدينته الفاضلة.

وبالنسبة للفلسفة الوجودية الحديثة؛ كان ذلك من خلال ذكرها أن ما يحدث بالحياة هو ما يجري تقريره بالشكل الشخصي، بمعنى أن حياتنا من مسؤوليتنا الشخصية، أو بمعنى أدق أن الفهم الشخصي للحياة يكون من خلال الظروف المحيطة للفرد، وكيف يقيّم الحياة من حوله، فهناك ظروف خارجيّة وعوامل نفسيّة خاصة تقرر الجودة التي يعيش من خلالها الإنسان وفقًا لما يحيطه، وبالمجمل كان هناك تطرق للفلسفة الوجودية لمعنى الشعور بالإحباط من الحياة ولمعنى الشعور باليأس، وذكرت الوجودية ذلك بأنه حدث نتيجة لعامل فقدان الأمل لدى الفرد من خلال الانهيار بالسّمات المحددة لهوية الإنسان، وذلك من خلال الحالة التي يستثمر فيها الإنسان نفسه اجتماعيًّا مع انهيار الحالة التي كان عليها. على سبيل المثال، فقدان رئيس دولة لمنصبه ليصبح بعد ذلك إنسانًا بسيطًا من العامة ليقع في حالة من اليأس، فإنّ هذا ما ينطبق عليه جوهر الفعل الإنساني من خلال حالة فقدان الأمل بشيء يرتبط ارتباطًا حقيقيًّا بالفرد ويشكل معنى لوجوده، ولربما يكون ذلك عن طريق فكرة؛ أو أمل كان يقنع نفسه به بشكل متكرر، ليصطدم بالنهاية أن الحياة الواقعية أحبطت ما كان يأمل، وليجد نفسه بالنهاية محاطًا باليأس.

بالمحصلة إن كان ما يدفعنا للاستمرارية هو الأمل بالإنجاز أو الحصول على التقدير، أو الحصول على ظروف حياة مُثلى، فهي ظروف حقيقية معاشة نتقاسمها نحن البشر منذ الأزل، ولكن الشعور باليأس والإحباط من جراء ذلك، والتفكير العميق في كل ما يحيط بنا من مخاطر ومشكلات اجتماعيّة ونفسيّة؛ سيضطرنا لقضاء وقتنا القصير في هذه الحياة محملين بأعباء الحياة، وهنا نرتكز على ما وصفته المدرسة الوجودية في أن كل ما تعيشه يعتمد عليك كإنسان له كامل الإرادة الحرة، مع العلم أنه من الممكن أن تمر بأبشع الظروف القاسية التي يمكن أن يمر بها أي بشري بالتساوي، كظروف معايشة حرب ضخمة أو مرضٍ قاسٍ، أو حتى تجربة اعتقالٍ في سجنٍ لا إنساني، أو من الممكن أن تتعرض للظلم، وغيرها الكثير من الظروف الصعبة، لكن بارتكازك إلى أن كل ذلك يدفعك للشعور باليأس والظلم وأن ما حدث لك غير منصف، تذكر أن ذلك لن يغير شيئًا بالواقع المعاش، ولن يغير العالم لا للأفضل أو للأسوأ، وأن ما يجب الارتكاز إليه بعد ذلك أن تحاول الانخراط اجتماعيًّا بمحيطك الحي؛ بتحقيق ما يمكن إنجازه في ظل الظروف الموضوعية التي تعايشها، وأن تبحث لنفسك عن طريق لاكتساب أكبر قدرٍ من المعرفة الإنتاجية لتحاكي بها واقعك، وهذا لا يعني بالضرورة أننا نقدم لك نصائح بالتنمية البشرية التقليدية، ولكن ذلك يصب في مجرى حياتك الواقعية بشكلها الحقيقي بكل ما تحمله الكلمات من معنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد