لو وُضِّعت أمامك أسماء: جمال بلماضي، كيكي سيتيان، عيسى ماندي، ويوسف بلايلي، ماذا الذي قد يجعلك تبحث لتجد رابطًا مشتركا بينها، بالرغم من أنها بعيدة كل البُعد عن الجمع؟

سيتيان وماندي!

قبل ثلاث سنوات قدَّم المدرب الاسباني كيكي سيتيان حصة لأطفال مدرسة النادي الذي يدربه، بيتيس إشبيلية، تحدَّث فيها عن وجوب العمل بتفانٍ كبير للوصول إلى أعلى مستوى ثم قدَّم مثالًا بأحد لاعبيه في الأكابر ليحفِّز الأطفال الَّذين يتخذون من من نجوم الفريق الأول قدوة غالبًا: «بعد نهاية المباراة، يجلس مكانه ويبدأ بتناول وجبته المكونة من الأرز والتونة البيضاء، ليعوض بسرعة ما فقده من طاقة في المباراة، إنه يعتني جيدًا بما يأكله، فواكه، أرز، والسمك».

وقال أيضًا «عندما كنت أقدم التعليمات وأعلق على بعض الأمور كنت أضع يدي على إحدى أذني وأستمع لكي لا يخرج كلامي من الأذن الأخرى»، وهي الكناية التي تبيِّن قوة تركيز لاعبه واهتمامه بكل النصائح المقدمة من مدربه.

ثم إختتم كلامه قائلًا «لا يوجد لاعب تطور مثله طيلة أربعين عاما في مسيرتي بكرة القدم، إنه لاعب مسؤول، منتبه، جاد في العمل وملتزم.. هذا اللاعب اسمه عيسى ماندي».

بلماضي وبلايلي!

ضاق مدرب المنتخب الجزائري جمال بلماضي ذرعًا من نجمه يوسف بلايلي كثيرًا من الأونة الأخيرة، انتشله وقدَّم له فرصة ذهبية للعودة مجددًا لميادين التألق من البوابة الأوروبية بعد كأس افريقية رائعة للغاية كان الجناح الجزائري أحد نجومها مساهمًا في تحقيق اللقب القاري للأفناك، توقع الجميع أنها ستكون تذكرة عُبور لأحد النوادي القوية ولو من المستوى الثاني في أوروبا، لكن يوسف فضَّل الأموال على مشوار متميز وراء الضفة.

المدرب المتألق جمال بلماضي لم يترك أية فرصة للحديث عن لاعبه الذي رأى فيه نجمًا عالميًا، حيث قال عنه قبل أسابيع عديدة وهو المبعد من المنتخب الجزائري بسبب نقص المنافسة «بلايلي لاعب مهم بالنسبة لنا، وهذا أمر مفروغ منه، ولكن مادام في هذا الوضع فلا يُمكنني الاعتماد عليه».

وفي رده عن سؤال طُرِّح عليه يتعلق بمساعدته في إيجاد فريق، قال مدرب المنتخب الجزائري: «تحدثت معه بشكل شخصي وشرحت له الأمور، وقدمت له النصائح اللازمة، ولكني لست وكيل أعماله، وهذا ليس دوري».

وقبل أيام أضاف جمال بلماضي تصريحا للإذاعة الوطنية الجزائرية بخصوص لاعبه الذي ينشط حاليا في نادي قطر القطري: «المشكل الوحيد الذي يعاني منه بلايلي هو الاستمرارية، فموهبة مثل موهبة بلايلي، تجعله قادرًا على اللعب على الأقل في صفوف توتنهام أو أتليتيكو مدريد (…) أنا متأكد وأعي ما أقول، فبلايلي يملك موهبة كبيرة وكنت أتمنى أن يتسم أداؤه بالاستمرارية والاستقرار، الذي لا يتسنى إلا بتواجده ضمن محيط مناسب يدرك أنّ فرصة تحقيق المشوار الناجح لا تتاح إلا مرّة واحدة في فترة معينة وبعدها كل الأمور ستنتهي، وحينها سيكون الشعور بالندم بعد فوات الأوان (…) فالأمر سيكون مؤلمًا للغاية».

الربط!

بالرغم من أن لا مقارنة بين اللاعب عيسى ماندي المتكوِّن في أوروبا ويوسف بلايلي المتكون في الجزائر، إلا أن موهبة الثاني تجعل أبواب المقارنة مفتوحة دائمًا، فإن امتلك كثيرون حسنة العمل الجاد فإن البعض يمتلك الموهبة، ولا إقصاء للثانية فهي الركيزة التي إن اقترنت بالأولى فقد تجلب الإعجاز، وهو ما تحسَّر ويتحسَّر عليه جمال بلماضي في تصريحاته عن لاعبه، فالموهوب الجاد المثابر ينال نصيبًا وافرًا من النجاح وهي الرؤية التي توقعها الكل أيضًا في بدايات مشوار بلايلي إلى أن تغيّر طريق الفتى من الموهبة المرافقة للعمل الجاد إلى الموهبة فقط، والتي لا تدر كثيرًا النجاح وحدها غالبًا.

عيسى ماندي مِثال يُحتذى به!

كتب الصحافي الجزائري نجم الدين سيدي عثمان عن النجم الجزائري في كتابه Var قصص سرية لأبطال أفريقيا «كانت والدته ترغب أن يكون لاعب كرة سلة، إبنها طويل القامة كانت تراه يصلح لوضع الكرات في السلال، ولو قدّر لها أن تختار له خيارًا ثانيًا فقد كانت ترغب أن تراه لاعب جودو، ربما كي تصرفه عن لعب الكرة في البيت مع شقيقه في غرفة المعيشة، فقد حطما الكثير من الأغراض الثمينة، كما كانا يعودان غارقين في الوحل والتراب كلما لعبا الكرة في الخارج».

لكنه اختار السير في الدرب الأخضر على مسافة ساعة من الزمن عن مسقط رأسه شالون أون شمبان سافر رفقة شقيقه ناجي الذي كان يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم، كان كل ما يأمله من هذه الرحلة أن يوفق شقيقه فيقنع المدربين بضمه إلى مركز التكوين، لكنه في النهاية وجد نفسه يلعب وينجح في الاختبارات لتبدأ رحلته مع كرة القدم دون تخطيط، لعل المصادفة لعبت دورها ورسمت بداية قصة لم يتوقع صاحبها أن تكون بهذا النجاح المستمر، فكيف حصل هذا؟
في مدينة ريمس على مسافة 47 كيلومتر اكتشف الطفل أن بعض رفاقه في المكان، سألهم فأخبروه أنهم جاءوا لتجربة حظوظهم أيضًا، كانوا مثله في التاسعة من العمر، لم يكن في الواقع أفضلهم ولا أكثرهم اهتمامًا بالكرة، والدليل أنه لا يعرف شيئًا عن هذه التجارب، ولم يخطط مثلما يخططون.
لم يكن يرتدي ملابس رياضية ولا يملك حذاءً، حتى مقاس حذاء شقيقه لا يناسبه، لكن بعد لحظات من ذلك، وبحذاء جعله يسقط كثيرًا على الميدان، لفت الفتى ذو الشعر المنسدل طويل القامة نظر المدرب الذي سجّل اسمه.

ماندي لم يكن متميزًا في كرة القدم فقط، بل كان مجتهدًا في الدراسة كاجتهاده في اللعب أيضًا، فحصل على شهادة الباكالوريا من ثانوية سان ميشال ليواصل دراسته ليحصل على دبلوم في الاقتصاد الاجتماعي، وكان بإمكانه تحصيل عمل بسهولة؛ فللمتجهد نصيب دومًا من كعكة الحياة الكبيرة.

مِشوار مميز مليء بالثناء!

لعب عيسي ماندي أول لِقاء له مع أكابر نادي ريمس الفرنسي سنة 2009 ضد لوهافر في القسم الثاني حين كان بعمر الثامنة عشرة فقط، ليصعد مع النادي بعدها بعامين ويثبِّت أقدامه أساسيًا، بالرغم من صِغر سنه ويواصل التألق مدافعًا وهدافًا، وقائدًا أيضًا، حيث صار أصغر قائد في تاريخ النادي منذ تأسيسه سنة 1931 في عمر الـ23 فقط، وفي 2014 حقق رقمًا تاريخيًا أيضًا بأن يكون أول لاعب في النادي منذ مونديال السويد 1958 يلعب في الحدث العالمي حين استدعاه مدرب منتخب الجزائر وحيد خاليلوزيتش لسفرية البرازيل، تجربة جيدة في نادي الشمال الفرنسي منحته تذكرة دخول للدوري الإسباني الأقوى في العالم حينها من بوابة نادي بيتيس ليصنع معه تألقًا خاصًا، بالرغم من أن بداياته المتعثرة ليصبح قطعة أساسية في الفريق، ويصبح قائدًا أيضًا ومدافعًا هدافًا كما اعتاد.

قبل أسابيع قليلة حقق عيسي ماندي رقما فريدا مع ناديه حين أصبح أكثر لاعب في الفريق يمثل منتخب بلاده، حيث لعب لقاءه الثاني والثلاثين من مجموع 59 لقاءً مع المنتخب الجزائري، وهو بألوان أخضر وأبيض بيتيس متجاوزًا رقم الكرواتي روبيرت جارني الذي لعب 31 لقاءً مع منتخب كرواتيا حين كان بألوان الفريق أيضًا بين سنتي 1995 و1998.

مع منتخب الجزائر حقق عيسى ماندي لقبًا مهمًا جدًا حين توج بالكأس الأفريقية للأمم في مصر السنة الفارطة، وكان فيها مدافعًا متميزًا للغاية في الدفاع الأقوى بأفريقيا برفقة منتخب السنغال، حيث شكَّل مع جمال بلعمري ثنائية قلب الدفاع الأحسن في البطولة، بالرغم من أنهما لم يلعبا سويًا كثيرًا من اللقاءات سابقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد