غادر يوم الثلاثاء الماضي 9 أبريل (نيسان) 2019 وفد ممثل عن صندوق النقد الدولي تونس، بعد زيارة دامت أسبوعين، تاركًا وراءه حزمة جديدة من التوصيات في علاقة بالإصلاحات الهيكلية الضرورية للاقتصاد التونسي.

مقر صندوق النقد الدولي

وقد قال، بيورن روذر -قائد الوفد- في نهاية الزيارة إنه «سيكون، أيًضا، من المهم مزيد التحكم في كتلة التأجير العمومي، التي تبدو من بين أكثر الكتل حجمًا في العالم مقارنة بالناتج الداخلي الخام. وسيسهم ذلك في مزيد فسح المجال للنفقات الأساسية المخصصة للأسر الهشة والتعليم والصحة، ومما يجعل، أيضًا، تحقيق تقدم في هذا الاتجاه ومن أكثر التحديات الجديدة المطروحة على المستوى الخارجي تلك المتعلقة بتذبذب أسعار المحروقات وتباطؤ النمو في البلدان الشريكة للاتحاد الأوروبي والانعكاسات المحتملة للصراعات في المنطقة. إننا نعترف أن الإجراءات الضرورية لها تأثير على الشعب التونسي لذلك تكتسي الجهود الرامية إلى مصاحبة الإصلاحات بدعم نظام التغطية الاجتماعية الأولوية». وأضاف: «من الضروري التسريع مجددا في الإصلاحات الهيكلية خاصة لتحسين حوكمة وبيئة المؤسسات، ومن الضروري دعم الثقة. وتسهم هذه الجهود إلى تحرير الامكانات امام القطاع الخاص وإفراز المزيد من فرص التشغيل لكل التونسيين».

وضع اقتصادي صعب

يعيش الاقتصاد التونسي صعوبات كثيرة،حيث شهدت نسبة زيادة ديون تونس بالخارج 246% خلال السنوات السبعة الأخيرة لتبلغ 71% في الثلاثية الأولى من سنة 2019، كذلك بلغ معدل التضخم السنوي 7.3 في شهر فبراير (شباط) 2019 وهي النسبة الأعلى منذ 1990 حسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء.

أثرت هذه  الأرقام على معيشة التونسي وساهمت في تدهور قدرته الشرائية وارتفاع نسب الفقر والبطالة كما تسببت في ارتفاع وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية، حيث تعيش البلاد هذه الأيام على وقع احتجاجات تتسع رقعتها يومًا بعد يوم بسبب ارتفاع الأسعار ورفع الدعم التدريجي عن المحروقات.

وصفة صندوق النقد الدولي

يرافق صندوق النقد الدولي منذ 2011 الحكومات المتعاقبة في تونس، وقد إقترح جملة من الإصلاحات يرى بعض المحللين بأنها مسقطة في حين ترى الحكومة أنها خيارات وطنية من أجل إنعاش اقتصاد البلاد.

عكس ما ينتظره الشعب التونسي من الحكومة يوجه صندوق النقد الدولي توصياته نحو مزيد من التقشف والحد من مجالات تدخل الدولة في الجانب الاجتماعي ودفعها نحو التخفيض من دعمها للمواد الأساسية.

يمكن تلخيص توصيات صندوق النقد الدولي التي التزمت بتنفيذها الحكومة التونسية وفق رسالة النوايا التي قدمها محافظ البنك المركزي ووزير المالية في:

  • رسملة البنوك العمومية.
  • تدعيم استقلالية البنك المركزي.
  • الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص.
  • مراجعة منظومة الدعم.
  • التحكم في كتلة الأجور ونفقات التسيير والتصرّف العموميّة.
  • المصادقة على مشروع مجلّة الاستثمار الجديدة.
  • إصلاح القطاع البنكي والمؤسسات المالية.
  • المصادقة على مشروع الإصلاح الجبائي.

يشترط صندوق النقد الدولي جملة من الإصلاحات في شكل توصيات من أجل مواصلة تمكين تونس من القروض المطلوبة، وقد مكنها سنة 2016 تونس من قرض قيمته 2.8 مليار دولار يدفع على أقساط.

الإصلاحات ضرورية لإنقاذ الاقتصاد التونسي

أكدت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد منذ 2015 -في إشارة إلى سلامة الخيارات المتخذة في تونس- بأن «تونس ستمر في السنوات القادمة من الاستقرار السياسي إلى مرحلة النمو الاقتصادي بخلق مواطن شغل للشباب».

ترى الحكومة التونسية، أيضًا، أن الإصلاحات الهيكلية التي أقرتها بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي ضرورية لإنقاذ الاقتصاد، كما تؤكد بأن صندوق النقد الدولي لم يفرض شروطًا على تونس وإن المفاوض التونسي هو من فرض خياراته فيما يتعلق بالجوانب الاجتماعية، مثل إصلاح الصناديق الاجتماعية والمؤسسات العمومية والمغادرة الاختيارية رغم عدم رضى الصندوق عنه حسب تصريح الوزير لدى رئيس الحكومة المكلف بالإصلاحات الكبرى توفيق الراجحي.

من جهته يعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور الصادق جبنون وفق تصريح لـ «ساسة بوست» أن «صندوق النقد الدولي عرض خدماته على الحكومة منذ 2011 والحكومة وافقت» وأن هذا  الصندوق لا يقدم خطة لإنقاذ الاقتصاد وإنما يقدم وصفة لتحقيق التوازن في الميزانية» مضيفًا بأن ذلك «عادة ما يكون على حساب الإجراءات الاجتماعية».

كما اعتبر الدكتور جبنون بأن تونس سقطت في خيار التداين المفرط ملقيًا المسؤولية بدرجة أولى على الطبقة السياسية بسبب عدم إلمامها بالمجال المالي والاقتصادي وعلى الحكومة بدرجة ثانية على لجوئها الآلي للتداين دون التفكير في حلول بديلة.

وصفة صندوق النقد الدولي خاطئة

رئيس الجمهورية التونسية مع رئيس صندوق النقد الدولي

تعالت في الفترة الأخيرة الأصوات الناقدة لخيارات صندوق النقد الدولي في تونس خاصة بعد الزيادات المتتالية في الأسعار، حيث صرح مصطفى كمال النابلي محافظ البنك المركزي الأسبق بأن الوصفة المعتمدة من قبل صندوق النقد الدولي في تونس وصفة خاطئة معتبرًا أن الحل لا يكمن في الخوصصة، داعيًا إلى توافق واسع بين مختلف الأطراف على الخيارات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وهو ما أكده الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية الدكتور رضا شكندالي لساسة بوست معتبرا أن «الحكومة التونسية تسعى دائمًا إلى إرضاء صندوق النقد الدولي حتى يقوم بالتسهيلات في إسناد البلاد التونسية القروض» كما أضاف أن «من يتفاوض مع صندوق النقد الدولي يجب أن تكون لديه القوة اللازمة في التفاوض حتى يتحكم هو في سياسته النقدية» وأن «الحلول عديدة لكن الحكومة دائما تلتجئ إلى الحلول السهلة «مؤكدًا أن «هم الحكومة هو تسريح الأقساط بدون الاهتمام بجودة السياسات المقترحة من طرف الصندوق».

 

دول دمرها صندوق النقد الدولي وأخرى نجحت بعيدًا عنه

احتجاجات ضد صندوق النقد الدولي بالأرجنتين

تأسس صندوق النقد الدولي سنة 1944 ويبلغ عدد الدول الأعضاء فيه 189 دولة ويعمل منذ ذلك الوقت، كبنك تدخل في عديد الدول الأعضاء التي تمر بأزمات مالية واقتصادية، لتعديل سياساتها الاقتصادية وإحداث توازن في ميزانياتها، إلا أن التجربة أثبتت أن التعامل مع هذا الصندوق من شأنه أن يفاقم من ديون الدول المقترضة دون أن يكون حلًا جذريًا لوضعها المتأزم بما يجعلها رهينة له وخياراته، التي يعتبرها البعض بأنها مجرد وسيلة من القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على النظام الاقتصادي العالمي.

ساهم تدخل صندوق النقد في عدم استقرار جملة من الدول وتزايد ديونها، وهو ما حصل في الأرجنتين وإندونيسيا والبرازيل وكذلك اليونان قبل أن يتدخل محافظ البنك المركزي الأوروبي ويبعد صندوق النقد الدولي من خطة إنقاذ الاقتصاد الأوروبي بموافقة من قادة أوروبا.

في المقابل تمكنت الصين وماليزيا من تجاوز أزماتها وبناء اقتصاديات مستقرة دون اللجوء لصندوق النقد الدولي، حيث اعتمدت الصين السيطرة على العملة المحلية والسماح للاستثمار الأجنبي بالدخول إلى قطاعات محددة حتى خرجت من أزمتها لتبعث 2014 صندوق طريق الحرير، وأن تعمل الصين على عدم إبراز هذا الصندوق كبديل للمؤسسات المالية التقليدية فإنه في الحقيقة كذلك.

نجحت ماليزيا أيضًا في تجاوز أزمتها سنة 1998 رغم التحدي الذي رفعه رئيس الوزراء حينها مهاتير محمد برفضه خطة صندوق النقد الدولي حيث قال في خطاب أرسله إلى مؤتمر لصندوق النقد الدولي عقد بهونج كونج في سبتمبر 1997: «نحن نرفض الشائعات التي تشير إلى أن ماليزيا ستسير في طريق المكسيك… ولكننا نعرف الآن سبب هذه الشائعات». مضيفًا «نحن نعرف أنه تم التلاعب بالاقتصاد المكسيكي ودفعه نحو التحطم، وأن اقتصادات البلدان النامية الأخرى يمكن أن يتم التلاعب بها أيضًا فجأة لتجبر على الانحناء لمديري الصناديق العظيمين الذين يعتقدون أن بمقدورهم تقرير أي البلدان يجب أن تزدهر، وأيها لا يجب أن تحقق ذلك».

وقد نجحت ماليزيا في غضون سنة أي بين 1998 و1999 من المرور من اقتصاد متراجعًا بنسبة 7.5% إلى نمو بنسبة 5.4%.

يعتبر اللجوء لصندوق النقد الدولي -لجوء المضطر- بالنسبة للدول التي تعيش أزمات اقتصادية، وتعد تونس -وضعية خاصة- حيث تزامنت أزمتها الاقتصادية بارتفاع المطلبية الاجتماعية إثر الثورة إلا أنه ونظرًا للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد كان بإمكان المفاوض التونسي بأن يكون أكثر قوة في فرض الخيرات التي تتماشى مع حالة الشعب التونسي ومصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع وخفايا المفاوضات مع الجهات المانحة لعل ذلك يكون مدخلًا للقبول بتقاسم أعباء حقيقي بين الدولة والشعب دون التورط في مزيد من التداين الذي يهدد حاضر البلاد ومستقبل الأجيال القادمة، كما يمكنه الآن التدارك حتى لا يكون نهاية هذا الطريق كارثيًا لا قدر الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد