يشعر المرء بالكَمَد والقهر كلما امتد عمر الظلم وطال زمانه، وكثر خبثه واشتد ظلامه، خاصة إن ازداد فيه منسوب الدم، وعدد السياط التي تُلهب ظهور الواقفين ضده!

ويجد المظلومون طرافةً من نوعٍ ما حين يُطلقون لذكرياتهم العَنان، ويسترجعون حكايا الطفولة، فيجدوا أن الخير فيها كان دائمًا ينتصر على الشر، وأن صاحب الحق كان دائمًا يأخذ حقه، وأن الناس والجماهير كانت دائمًا تقف معه، وأن أعوان الشرير هم أول من يتخلى عنه ويؤمنون بعدالة قضية صاحب الحق!

أما في الواقع فكل ذلك لا يحدث، بل كل ذلك يكون عكسه!

فيتنهّدون، ويتمتمون: جعلونا نعيش على أحلامٍ وردية ثم قذفوا بنا فجأة في غياهب واقعهم البشع!

ويتعجب الظالمون من قدرة الإنسان – إذا ملكَ سلطةً ما – على إظهار كل هذا الكَمّ من التغول والتوحش والإجرام وانعدام الإنسانية!

ويزدادون عجبًا يصل لحدّ البكاء قهرًا حين يفكرون بهذا البلاء الذي عمّ وطمّ، وفرش واستوطن، ويتألمون حين يتأملون في آثار شره وإفساده، وكيف أطفأ جَذوة الحياة في القلوب…!

هؤلاء الظَّلَمَة والفاسدين – في كل مواقعهم وعلى اختلاف درجاتهم في سلّم الظّلم – ألا يَرَوْنَ فداحةَ ما ارتكبوه فينا؟ ألا يعلمون فظاعةَ آثار تغوّلهم علينا؟ ألا يُرعبهم هذا الدمار الذي ألحقوه بـ«الإنسان» فينا.. بل فيهم أيضًا؟!

لقد خلطوا المفاهيم، وشوّهوا القِيَم، وباعوا لنا الوهم انجازات، وحصدوا الرؤوس التي ارتفعت، وحطموا العزائم، وأغمضوا عيون الناس، واسترهبوهم وأذلوهم، ثم أسكروهم بملذات الشهوات وشغلوهم بفتات الحياة.

حتى الدّين قَصْقَصوه قماشًا وخاطوهُ قميصًا على مقاسهم ثم أجبرونا أن نرتديه!

لقد أخذوا منا أحلى ما فينا! شوّهوا إنسانيتنا، وبراءَتَنا الأولى، وسرقوا أمننا وأماننا، واغتالوا كرامتنا، وفرّقونا شِيَعًا، وملؤوا صدورنا عداوتٍ لبعضنا، وقرّبوا بعضنا وأقْصُوا بعضنا.. وما المُقرَّبون بأحسن مكانةً عندهم من المُبعدين!

وشغلونا عن بلوغ القمم بمعاركَ في الوديان استهلكَتْ طاقتنا وعُمرنا وجُهدَنا واستنزفتْ دمَنا وأرواحنا وعِلْمَنا ولم تكنْ يومًا تُجدي نفعًا !

لقد غيروا أخلاقنا، فجعلوا منا الانتهازي والمتملق والجاسوس والمتكسب بالمَدح والخائن والنائم والنائب!

لقد قيّدونا، وحبسونا، وأقعدونا عن كل خير، ثم جلسوا غير بعيدٍ منا، فلا هم انطلقوا للمعالي ولا هم أطلقونا!

متى يقتنع الناس أن الآثار المدمّرة للظلم لا تعمّ المظلوم وحدَه – فردًا أو شعبًا – بل تمتد لأجيالٍ كاملة لاحقة!

فالمظلوم في الأغلب الأعمّ بين أمرَين:

إما أنه لا يريد تكرار التجربة القاسية التي تعرض لها مع أبنائه أو الجيل القادم، فيدللهم جدًا ويفتح لهم باب الحريات على مصراعَيه بلا حساب، فتنتج الحريات اللامسؤولة أو حرية الإنفلات – الإنفلات في التوحش السلوكي أو في الأخلاق أو في الأفكار – لدرجة الإفساد، وهو يظن أنه يسعدهم ويكفيهم قسوة ومرارة التجربة التي مرّ بها!

 وبهذا نخسر جيلًا جديدًا، بكل طاقاته التي كان يمكن أن نستفيد منها، ونطعنه في خاصرته، ولكن هذه المرة بسلاح التمييع والأفكار الهدّامة، والضياع، واللا مسؤولية!

أو يتقمص هو – من حيث يدري أو لا يدري – تصرفات وسلوكيات الظالم، والتي سبق وذاق ويلاتها وكان يرفضها ويلعنها، فيبدأ باستحسانها، واستنباط فضائلها، ومن ثَمَّ يصبّها بحذافيرها على أبنائه أو الجيل القادم! بل وربما يزيد!

 وهنا نعود للحلَقَة المُفرَغة نفسها.. ظلمٌ جديد يهدر الطاقات والأعمار والجهود هباءً لزمنٍ طويلٍ جديد!

انظر حولَك وتأمل في الشعوب التي تعرضت أو تتعرض للقمع وحكم الفَرد المطلق والفساد الإداري والمالي و.. و..

انظر لتعامل الأفراد منهم حين يتولون أيّ سُلطة في دائرة عائلاتهم – الصغيرة أو الممتدة – أو مصانعهم وشركاتهم وسائر أعمالهم، أو حتى في نقاشاتهم وحواراتهم، وستجد مصداقَ ما أقول!

مهلًا! لكأنني بنفسي وقد هالَها كل هذا التوحش والطغيان المنتشر في العالَم فانهارتْ وهُزمَتْ، وجاءت الآن تبكي أحرّ البكاء بحروفٍ تنسجها في هذي المقالة!

كلا!

نحن معاشر المتأملينَ في أسباب ومآلات الظلم المنتشر حولَنا – بشِقَّيْهِ: السياسي، والإجتماعي – المكويّينَ بناره أكثرُ الناس شعورًا مع الناس، وأكثرهم عِلْمًا بالآثار المدمرة له على مستوى: الأفراد والشعوب والأجيال، ومع ذلك فَلسنا ممْن يكسرنا القَهر، أو يُكتّفنا العَجز، أو يقصم ظهورَنا الظلم!

نحن لسنا ممّن تُخيفُ حريتَنا سياطُ الترهيب أو يُعميها بريقُ الترغيب!

لسنا ممّن تتيه خُطواتنا في ظُلمَة ليل الإعلام الكاذب الطويل! ولا نحن ممّن يسلبنا الدمعُ قدراتنا على التفكير بالحلول والمبادرات الخلّاقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذَه!

إنني على يقينٍ تامٍّ بأن قولنا لا في وجه كل ظالمٍ، سياسيًّا كان أو مجتمَعيًّا (من يظلم المستضعفين في المجتمع من زوجاتٍ وأبناء وموظفين وعمال وما شابه) هو الخطوة الأولى نحو إيقافه أن يمتد ويتطاول حتى لو كان ظُلمه لا يطالنا بشكل شخصي!

أما السكوت فعربونُ تأييد، وتصفيقُ استحسان، نقدمه له ونحن ندري أو لا ندري!

إنني على يقينٍ تامّ أن كل جُرمٍ يرتكبه ظالمٌ أو فاسد، يقع شيءٌ كثيرٌ من إثمه على والدَيه أولًا – أو من تعهّدوه في صغره – ذلكَ أنهم رأَوا فيه بوادر الفساد والتجبر والقسوة والشر من صغره فما رَدَعوها، ولا هذّبوها! بل لعلهم أول من غرسها وشجّعها ونَمّاها فيه!

(هذا ما لم يكونوا قد بذلوا جهودًا حقيقية صادقةً جادةً في تهذيبه ورَدْعه من صغره فتجاوزَها هو بخبث طبعه).

وإنني على يقينٍ تامٍّ تامّ أن قول جيلنا (لا) في وجه كل ظالمٍ وفاسدٍ – أيًّا كان موقعه – هو إنقاذٌ ليس فقط لنا، بل للأجيال القادمة أيضًا، وتقاعسنا اليوم عن قولها ظلمٌ منا لمن سيأتي بعدَنا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات