تعمدت أن أستخدم أداة النداء المؤنثة لأنادي أبناء قوميتي «من أبناء لغة الضاد» لأسباب عدة، منها أننا أصبحنا كما قال فينا سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وصف أبناء أمته في آخر الزمان ومنهم أبناء لغة الضاد «يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها…» إلى آخره من الحديث، وكذا ربما أن حرائر وماجدات بلادنا العربية لا يزلن يحملن بعض هموم وأشجان بلادهن وشعوبهن، مقارنة بذكورها الذين فضلوا المتابعة والنظر، وكأن كل شيء لا يعنيهم.

إضافة إلى أن الكثير من مفكرينا وحملة أقلامنا في عالمنا العربي والإسلامي، تنصلوا من تأدية أمانتهم في توعية وإرسال رسالة ناصعة، لقراء لغة الضاد، عن كل ما جرى ويجري وسوف يجري في الأيام القادمة، إن ظللنا نسير على هذه الحال ونعمل باستخدام هذه الأدوات والعقليات والأفكار والاستراتيجيات، التي للأسف أنهكتنا ومزقتنا، وجعلت منا قوميات صغيرة ومفرقة، ودويلات هشة ولينة، تستخدم جيوشها وقوتها وسلاحها، في قتل وتعذيب شعوبها وأحرارها ومفكريها وعقولها التي لا تقدر بثمن!

حيث تابعت متأملًا الأحداث الأخيرة، التي جرت في مدينة حلب الشامية، حلب الجريحة والتي دمرتها آلة الحرب منذ بداية الأزمة السورية مطلع عام 2011، وتحديدًا منذ بداية ظهور ظاهرة ما يسمى بالربيع العربي، الذي تبين لنا مع الأيام والتجارب، بأنه لم ولن يكون ربيعًا عربيًا على الإطلاق، وبالتحديد عندما نجد أن خلف هذا المشروع الذي يستهدف المنطقة برمتها، هي أياد خفية غربية شبيهه بتلك الأيادي السابقة التي نفذت أجندة اتفاق سايكس بيكو(1) الشهير، والتي دمر هذا الاتفاق وقسم عالمنا العربي إلى أكثر من اثنين وعشرين دويلة، يحكم بأنظمة مختلفة ومتنوعة، منها الملكي والجمهوري، والسلطاني، والجمهوملكي … إلخ من المسميات العديدة للأنظمة التي تتحكم بأبناء لغة الضاد في عالمهم الكبير والممزق.

هذه الأمة التي جاءت آخر رسالة ربانية «الإسلام» وجمعت شملهم وأنزل رب هذا الكون كتابًا عظيمًا بلغتهم «إنا أنزلناه قرآنا عربيًا لعلكم تعقلون»، وطلب منهم أن يعقلوا هذا الكتاب المقدس، ومن ثم يسهموا في نشر رسالته ووحي رب هذا الكون ومالكه إلى الإنسانية جمعاء، ويأدوا واجبهم الرباني في تبليغ رسالة الإسلام في هذا الزمان مثلما فعل أسلافهم في السابق وحملوا هم الرسالة والدعوة والإسلام ونشروه في أصقاع الأرض ووديانها، ولكن للأسف العرب في هذا الزمان فضلوا حمل السلاح والاقتتال فيما بينهم البين.

فالقاتل عربي والمقتول عربي، واليتيم عربي، والأرملة عربية، والفقيد عربي، والمصاب عربي، فلماذا كل هذا أيها العرب؟!

إن ما يجري في أقطار عالمنا العربي اليوم هو ناتج طبيعي – في رأيي الشخصي – لتراكم السياسات الخاطئة والمتراكمة التي مر عليها أكثر من سبعة أو ثمانية عقود من الزمان، تلك السياسات التي جعلت منا قوميات لا تفكر في حضارتها وتاريخها التي يمتد لآلاف السنين بل تحاول أن تخلق لها تاريخا مزورا، وترسم لها حدودا، وتبني جدرانا مادية ومعنوية بين دويلاتها التي في الأساس أنتجتها لنا اتفاقية ساكس بيكو سيئة السمعة، تلك الاتفاقية التي أخرجت لنا هويات وجنسيات ودويلات مزورة، والتي لا تحمل تاريخا ولا حضارة، فالعلامة التجارية لمشروب الكوكاكولا لها تاريخ يمتد لأكثر من مائة وعشرين عاما، منذ أن أسسها مؤسس شركة كوكاكولا السيد آسا غريغز كاندلر في 29 يناير (كانون الثاني) 1892، ولكن عندما شرعت أدرس وأقرأ تاريخ كل هذه الدويلات السايكس بيكية لم أجد لبلد منها تاريخا يمتد لأكثر من مائة عام فمعظمها نال استقلاله من قوى الاستعمار قبل عشرات السنوات ليس إلا!

إذا ما الخطب؟ وماذا ينتظرنا نحن العرب؟ الذين أصبحت قوى العالم من حولنا الآن تنظر إلينا، مثلما ينظر الذئب إلى قطعان الماعز في أرض الخلاء وبلا راعٍ! الكل يطمح أن يغنم بجزء من هذا القطيع الدسم والسمين والمتناثر بالأرجاء!

دمرت حلب بمختلف أنواع الأسلحة الفتاكة التي طورتها العقول في المعسكر الشرقي «روسيا» والمعسكر الغربي «دول أوروبا والولايات المتحدة»، ولم يسمع صراخ أهلها كل العرب، فالجميع مشغول في الأمور الجانبية، فالأفراد لا حول لهم ولا قوة، مشغولون في هموم الحياة المادية اليومية والتي أصبحت تكهل عاتق الجميع، فالآباء مشغولون بمشاكل الحياة التي لا تنتهي، وشبابنا منغمس في ملذات الحياة الزائفة، إما مشاهد للمسابقات والفوازير أو المسلسلات الهدامة، أو متمتع النظر بمشاهدة موخرات الفنانات ومفاتنهن على شاشات قنواتنا الفضائية التي لا تنتج لنا فكرًا على الإطلاق! أو متابع لمباريات الدوري الإسباني أو الإنجليزي … إلخ، فقط لدينا بعض النسوة يتحدثن في مجالسهن عما يجري في حلب ويتحسرن!

إن العرب نائمون، بل إنهم في سبات عميق لن يستيقظوا منه إلا متأخرين، فبلدانهم تدمر عن بكرة أبيها واحدة تلوا الأخرى بشكل يومي وممنهج، حيث بدأ المخطط الاستعماري الحديث للعالم العربي والإسلامي، وهو تقسيم المقسم منذ إعلان الحرب الظالمة على شعبنا في قطرنا العربي العراق الجريح مطلع عام 2003، هذه الحرب التي أعادت أرض الرافدين لسنوات ماضية من التخلف والتدمير والتخريب الممنهج، بعد دعوى كل من بوش الابن، توني بلير بأن العراق يمتلك سلاح الدمار الشامل، ولكن الحقيقة والواقع يقول أن لديهم مخطط مزمن ويعد له من عقود لاحتلال وتمزيق جديد للمنطقة برمتها، وتمكين أياد خارجية وخفية من تدمير عالمنا العربي والإسلامي الذي تمتد حضارته لأكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان وليس بعض السنوات لا أكثر، فماذا أنتم فاعلون أيها العرب فالخطر الأكبر قادم قادم!

1- اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، كانت اتفاقا وتفاهمًا سريًا بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الدولة العثمانية، المسيطرة على هذه المنطقة، في الحرب العالمية الأولى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد