لم تمض سنة على قرار ترامب المشؤوم بشأن القدس عاصمة إسرائيل، ولم تمر على صفقة القرن -وبالمعنى الصحيح صفعة القرن- شهور غير قليلة حتى قرع أسماعنا اعتراف ترامب، وإعلانه هضبة الجولان لسيادة إسرائيل في مؤتمر صحفي مشترك مع نتانياهو في البيت الأبيض بأمريكا، في ظل صمت مطبق من العالم رغم أن الأمة المسلمة لم تنزف دماءها ولم تبرأ جوارحها بعد بشأن القدس الشريف، فتتابعت الردود والاستنكارات على هذا الاعتراف الأمريكي الظالم من جهات متعددة من الأمم المتحدة والمجلس الأمني العالمي وجامعة الدول العربية وما إلى ذلك من الهيئات العالمية والدول الإسلامية وغير الإسلامية تحذيرًا من عاقبته المحتومة ومصيره المشؤوم، ونحن معاشر المسلمين نستنكره وندين هذا القرار غير الشرعي والاعتراف الوقح بشدة وبغضب شديد وندعو الرؤساء إلى إلغاء الاعتراف والقرار بضم الجولان إلى سيادة إسرائيل، وإلى عقد جلسة المفاوضات بين الطرفين لبث السلام في العالم العربي خاصة وفي كوكب الأرض عامة.

علمًا بأن هذا الإعلان البغيض بشأن الجولان قد صدر في أوان كادت فيه حروب سوريا أن تضع أوزارها وتخمد نارها ويتقاسم فيه الحلفاء أرض سوريا بما فيهم روسيا وإيران وأمريكا ولبنان، ويرفرف النظام السوري المستبد رايته على الدماء الزكية الطاهرة خرقًا لقرارات الأمم المتحدة وقوانينها وصفعًا لشرائع المجلس الأمني العالمي وبنودها الأمنية وصفعًا للأمة المسلمة قاطبة.

وكان الصهاينة المحتلون يترقبون الفرصة السانحة وينتظرون الظروف الملائمة منذ أيام لهذا القرار النجس ولهذا الإعلان الجائر حتى آن الأوان وحان الوقت لاعتراف رسمي من الرئيس الأمريكي لضم هضبة الجولان إلى سيادة إسرائيل بعد أن احتلتها إسرائيل عام 1967 العيساني، واستعدت للانسحاب عنها مقابل سلام بين سوريا وإسرائيل عام 1993 العيساني ثم التراجع عنه بعد ذلك.

فإعلان دونالد ترامب الذي أعرب نتانياهو عن شكره البالغ له تجاه إنجازاته لمصالح إسرائيل قائلًا: إن ترامب صديق خالص لإسرائيل بسبب اعترافه بضم الجولان إلى سيادة إسرائيل باعتبار ذلك مسمارًا قويًا على جثة السلام بين إسرائيل والمسلمين قاطبة وخصوصًا بين إسرائيل وبين شعب سوريا الأبي، واغتصاب سافر لأرض المسلمين الخصبة الخضراء.

وهضبة الجولان -كما هو معلوم لدى الجميع- من أرض سوريا، وجزء لا يتجزأ منها وفق المواثيق لمجلس الأمم المتحدة وعلى حسب الخرائط العالمية والقرارات الدولية قد ظلت تابعة لسوريا بعد انتهاء الاستعمار الفرنسي خلال عام 1944العيساني بعد أن كانت ضمن الحدود الفلسطينية المستعمرة لبريطانيا، وكانت الدولة المستعمرة آنذاك استعدت للتخلي عنها لفرنسا المحتلة لأرض سوريا عام 1923 العيساني، وهي مرتفعة خصبة لا تقل أهمية استراتيجية عن أي بقعة من بقاع سوريا وتبعد عن دمشق حوالي 60 كم فقط بين نهر اليرموك وجبل الشيخ، تابعة إداريًا لمنطقة القنيطرة في سوريا ومطلة على نهر طبريا من الغرب تشتهر بخصب أرضها وطيب هوائها وعذوبة مائها وبطبيعتها الخضراء الخلابة المنظر الأخاذة المظهر، وازدادت أهميتها استراتيجيًا وجغرافيًا وشماختها إلى حد أن الصاعد إليها سيشاهد من قمتها جزءًا من الأردن وفلسطين وسوريا حتى أصبح من السهل أن ينفذ الحملات التخطيطية على هذه الأرض المسلمة من أعلى مرتفعاتها.

وإن إسرائيل قد كانت تحلم بهذا اليوم منذ أزمان واشتاقوا له مدى الأيام حتى جعلوا أمنياتهم في متناول الأيدي، وصلوا إلى هدفهم المنشود وغرضهم المأمول بلا مشقة وبلا محنة تستحق الذكر، وإن مما يلفت الأنظار في هذا الصدد هو أن رابطة خريجي الجامعة العرب كشفت عن وثيقة ترجع إلى عام 1981 العيساني تعرب عن خطة إسرائيل تجاه الدول المحيطة بها بانقسامها إلى دويلات صغيرة للعمل على تفتيت الدول العربية، ونظرًا إلى تلك الخطة وبروتوكولات أخرى، وبالنظر إلى عقيدة “من النيل إلى الفرات” تتقدم إسرائيل بلامبالاة إلى تحقيق تخطيطاتهم وتنفيذ مؤامرتهم وتوسيع حدودهم وتتجرأ على مسيرتهم الاحتلالية بعيدة المرامي بمساندة رؤساء ووزراء الغرب ومساعدتهم سفكًا لدماء المسلمين وقتلًا وفتكًا للأبرياء وجرحًا لآخرين.

وهناك استفسار صريح للغرب بشكل عام ولأمريكا بشكل خاص، يقتضي جوابًا حاسمًا وهو أننا كم كنا نسمع عن إنشاء الهيئات والمجالس العالمية الأمنية وعن عقد الندوات والجلسات لبث السلام في العالم ولمكافحة الإرهاب واقتلاع جذور الفساد وغرس بذور الإصلاح في كوكب الأرض من الغرب فتلوح في ناصيتنا بارقة أمل لمستقبل زاهر ولعهد باسم، ولكن حال اليأس بين ذلك حينما شاهدنا -ومازلنا نشاهد- أن الغرب هو المؤيد لدولة إسرائيل المحتلة وهو المرحب بوليده غير الشرعي وهو المساعد للصهاينة الإرهابيين ماديًا ومعنويًا، والغرب هو الذي يعلن القدس عاصمة لإسرائيل الرسمية ويعترف في الوقت الراهن بضم الجولان لسيادة إسرائيل المحتل فنرى أن السلام الذي يدّعيه الغرب هو السلام الوحيد لدولة إسرائيل ومن شايعها وشابهها فحسب لا لغيرها من الدول، وهذه الندوات والجلسات والخطوات الفعالة لمصالح اليهود فحسب دون غيره، وهذه المواثيق والعهود لخرقها من اليهود لا لإيفائها حتى يتسنى لليهود أن يعيشوا بأمن وسلام، وهدوء وطمانينة في هذا العالم المحتل ولو على جماجم المسلمين الطاهرة وعلى دمائهم الزكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد