وسط أوضاع اقتصادية مزرية ومشهد سياسي قاتم، تفاجأ الفلسطينيون وفي غزة تحديدًا، أطلقت قبل أيام ما يسمى بـ«هيئة وعد الآخرة» فعاليات مؤتمر ما بعد تحرير فلسطين، بهدف وضع تصورات واضحة لآليات تأمين وتوزيع مقدرات البلاد والاستفادة منها عند عملية التحرير، ووضع تصور لآليات ملاحقة المجرمين الصهاينة عبر العالم، ووضع اليد على مقدراتهم الاقتصادية المنقولة وغير المنقولة».

مؤتمر لم يكن عاديًّا من حيث ردود الأفعال التي انقسمت بين مؤيدة ومعارضة إلى حد السخرية، من منظميه والقائمين عليه، وحتى نتائجه؛ ومع ذلك وبتقديرنا فإن للمؤتمر ما له وما عليه، فالمؤتمر جاء في ظروف اقتصادية صعبة وواقع معيشي في قطاع غزة مأزوم وفي ظل عدم قدرة حركة «حماس» على دفع رواتب موظفيها كما أعلن مسئولها الحكومي الأول في غزة عصام الدعاليس قبل أيام، أما على صعيد الضفة فهي تعيش تحت انتكاسة التنسيق الأمني من جهة، وتغول الاحتلال «الإسرائيلي» من جهة أخرى، أما القدس فحالها لا يخفى على أحد في ظل استمرار الانتهاكات والاعتداءات «الإسرائيلية» صباح مساء!

وعلى كلٍّ فإن المؤتمر الذي نجد فيه غضاضة ربما يبرر للقائمين عليه أنه جزء من رفع الروح المعنوية للشعب الفلسطيني، وجزء من الحرب النفسية على الاحتلال «الإسرائيلي» وعملائه، وهو ما قد يحسب للمؤتمر.

وعمليًّا، لا توجد مشكلة حقيقية بتنظيم مثل هذه المؤتمرات، لكن الغمامة التي صاحبته منذ الإعلان عنه، كانت نتيجة لعدم وجود حراك عملي حقيقي لترقيع الواقع الفلسطيني سواء على الصعيد «السياسي» أم «الاقتصادي»، في ظل استمرار حالة التشرذم الداخلي، وعدم وجود خطط لاختراق الظروف الإقليمية والدولية، التي ليست في صالح الفلسطينيين، إذ إن ذلك هو الحاجة الألح، وفقًا لفقه الأولويات الوطنية يا أولي الألباب!

فالقبول بالأمر الواقع، أضر بالقضية الفلسطينية، ولم يعط أي من الفرقاء الفلسطينيين ما يطمحون له، فغزة التي تصدرت للتصدي لجرائم الاحتلال في القدس بشهر رمضان الماضي، بعد دخولها في معركة «سيف القدس» لم تستطع بالرغم مما حققته من انتصارات يشهد لها القاصي والداني من الاستمرار في مشاغلة الاحتلال ومعاركته وحدها، خاصة في ظل سياسة الإغلاق وتجفيف المنابع التي اتبعتها حكومة «بينت» الجديدة، والتي عاقبت غزة بإغلاق المعابر ومنع إدخال المنحة القطرية لشهور، قبل أن تدخلها منقوصة ولا تزال ترفض إدخال أي مبالغ «قطرية» لصالح موظفي القطاع العام في غزة، ومن ناحية أخرى فالسلطة الفلسطينية لا تزال تراهن على الشرعية الدولية والحلول السلمية، ولم يعد بمقدورها تحقيق أي من المكاسب السياسية في ظل رفض الاحتلال الاستجابة لسياسة الاستجداء التي اتخذتها القيادة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس خيارًا استراتيجيًّا لها!

أما على الصعيد الدولي والاقليمي، فيكفي الإشارة إلى أن الفلسطينيين باتوا يغردون وحدهما دون أن يكون لصوتهم حسيسًا أو صدى، فالإقليم والعربي خاصة مشغولٌ في قضاياه الداخلية، واعادة ترتيب أولوياته بعيدًا عن القضية الفلسطينية، والمجتمع الدولي عازف عن تقديم أي مساعدة لشعب مقسوم إلى نصفين، وحكومتين، وتيارين، وبرنامجين،…إلخ.

وهو ما يتطلب من الفلسطينيين التنبه إلى حقيقة ما يجري، وكيف عصفت بهم خلافاتهم الداخلية عن سلم الأولويات لدى العالم، ليقع على عاتقهم مجتمعين موحدين عقد مؤتمرات للبحث على ما يجعل صفهم واحدًا عبر التوافق على إستراتيجية وطنية موحدة لمعالجة ما هو كائن من «مصائب» وطنية، والبحث في حلول للخروج من المستنقع الذي يرزح فيه الشعب الفلسطيني، ولا مشكلة في استشراف واقع القضية الفلسطينية في المستقبل والبحث عن بدائل والتفكير فيما سيكون بعد التحرير إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد