الأمم والدول التي ساهمت في تحويل الدنيا إلى الجنة والخير تستمر في حكمها سنوات طويلة بغض النظر عن انتمائها إلى أي من الأيديولوجيات أو الأديان. ولكن الدول والأمم التي تباهت وتتباهى بقوتها المالية والعسكرية وتستمر في استغلال الناس وترهيبهم قد هلكت وستهلك بإذن الله وهذه هي القاعدة الأساسية الإلهية شاهدناها ونشاهدها في الدنيا المحيطة بنا.

شهدت منطقة الخليج قبل أيام تحركات عسكرية مخيفة من قبل الولايات المتحدة وهذه التحركات كانت تقولنا إن أمريكا في الطريق للقيام بشن هجمات عسكرية على إيران كما فعلت قبل 15 عامًا على العراق، ولكن بعد بضعة أيام من هذه التحركات الغامضة والمخيفة قررت الولايات المتحدة عدم الدخول في عملية عسكرية مع إيران بسبب من الأسباب وهذه التطورات المتسارعة في المنطقة ترسل رسائل لمن لن له قلب يفكر بعيدًا عن نظرية التبعية.

وهناك مثل شاسع بيننا الكلاب النابحة نادرًا ما تلدغ. هل أصبحت أمريكا بهذه الحالة؟ وهي تحت رئيسها الحالي دونالد ترمب تخوف كل الدول وتتخذ إجراءات قاسية، ومن ثم تتراجع عن القرارات حتى أصبحت هذه المواقف علامات السخرية في أوساط الوسائل العالمية، وهي هاجمت تركيا اقتصاديًا قبل تسعة أشهر بعد فشل المحاولة العسكرية المدعومة من الغرب وإسرائيل ومن أمريكا نفسها في 15 يوليو (تموز) عام 2016، ولكن قرار تركيا بقيادتها الحالية حيرت الإدارة الأمريكية وأصبحت مرتبكة وكانت إجراءات تركيا ضربة صارمة ضد مصالح أمريكا التجارية والمالية في تركيا ونتيجة لهذه الحالة قررت إدارة أمريكا قبل بضعة أيام خفض الرسوم على وارداتها من الصلب التركي من 50% إلى 25%!

كنا في خوف نشوء حرب في المنطقة وشاهدنا عمليات عسكرية تشابه التحركات العسكرية التي شهدت المنطقة في عام 2003 مثل نشر خبر قرار بنتاجون لإرسال 120 ألف جندي لمواجهة إيران كما فعلت في عام 2003 حيث اجتمعت القوى العالمية تحت قيادة الولايات المتحدة لشن هجمات عسكرية لا هوادة ولا رحمة فيها على العراق، ونجحت الولايات المتحدة في تحقيق هدفها بفرض السيطرة على نفط العراق على مرأى ومسمع المجلس الأمن والمجتمع الدولي وكانت أبرز الاتهامات الموجهة ضد عراق آنذاك أنها تمتلك الأسلحة الكيميائية وأسلحة الدمار الشامل ولا شك أن هذه الادعاءات والسياسة التي اتبعتها الولايات المتحدة كانت ذريعة إمبريالية لاحتلال العراق ومواردها، ولكنها أصبحت خيرًا لكوريا الشمالية وإيران اللتين أدركتا جيدًا أن من سياسة القوة الإمبريالية تدمير قوة الردع والدفاع لمناضريها أولًا ومن ثم الهجوم الشرس عليها لأن أصحاب الإمبريالية وجنودها دائمًا يخافون عن المعركة بينها وبين أي دولة تمتلك القدرة العسكرية مثلها أو تمتلك قدرة الدفاع والردع.

والوجه الآخر لهذه التحركات العسكرية الجديدة في المنطقة يمكن أن نرى في وجهات النظر المقدمة من قبل المراقبين الذين يراقبون الأحوال والتطورات في محيط الخليج بفراسة والتي تقول إن هناك مؤامرات وخطط غامضة وأجندات سرية وراء هذا التحرك العسكري الأمريكي الكبير. إن قرار أمريكا لإرسال أكثر من 120 ألف جندي إلى منطقة الخليج وموافقة بعض الدول في المنطقة على قبولها كلها تشير إلى تقوية الآراء والأفكار التي يعرب عنها رؤساء تركيا وقاداتها والكتاب المستقلون في تركيا مثل إبراهيم قراغول رئيس تحرير في جريدة يني شفق التركية الذي يكتب من وقت لآخر عن هذه التحركات الغامضة والسرية أو كما يقول إن هناك مؤامرات تحاك ضد بلاده ومراقبو السياسة في تركيا في رأي بأن هناك أجندة سرية لإحاطة تركيا من جميع حدودها وهي تواجه مشكلة منذ سنوات من جهتها الجنوب الشرقي من المقاتلين الأكراد في سوريا والعراق، ولا شك أن أي أزمة في إيران التي تحدها من شرقها ستتحول إلى جنوب شرق تركيا وستكون للاضطرابات في إيران آثار سلبية وستكون ضربة قاسية لتركيا التي تساندها طهران في مكافحتها ضد الأكراد، وأمريكا حينما تقول: إن إيران هي تهديد للمنطقة كلها وهي تريد إيقاف مساندة إيران لتركيا في محاربتها ضد الإرهابيين من المنظمات الكردية الإرهابية والتي تواصل عملياتها الإرهابية منذ سنوات بمساندة سرية من قبل الولايات المتحدة كما يقول الأتراك والهدف زعزعة استقرار تركيا اقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا.

ويمكن قراءة وجهة نظر أخرى وراء هذا الحشد العسكري الكبير وهي أن أمريكا تريد أن ترسل رسائل واضحة لكل من يرغب في إقامة نظام ديمقراطي في بلدانهم في المنطقة كما نرى في السودان والجزائر، وأضف إلى هذا نشوء حكومة الوفاق في ليبيا كقوة قادرة على شن هجمات على قوات حفتر حليف أمريكا والغرب ومساندة تركيا لهذا الكيان، ومفاد الرسالة بأن أمريكا لن تسمح بنشوء أي دولة ديمقراطية نزيهة في المنطقة لأنها ستكون بمثابة جرس خطر على مصالحها ومصالح حلفائها ولا شك أن نشوء بلدان تقوم على الديمقراطية النزيهة ستلعب دورًا مهما في إنشاء جيل يتحدث عن الحرية وحرية التعبير وسيطلبون العدالة لقضية فلسطين المحتلة التي تشتعل منذ 70 عامًا بدون الحل الأبدي في الأفق.

والنقطة المهمة هي أن تركيا قد أدركت هذه المخاطر وهي رأيناها بدأت أول مرة في تاريخها أن تظهر قوتها العسكرية عبر المناورات العسكرية التي تعد من أضخم المناورات في تاريخها مثل مناورات «ذئب البحر 2019» التي أجريت في شهر مايو (أيار) الماضي ومناورات الوطن الأزرق 2019 التي أجريت في شهر فبراير (شباط) الماضي وهذه المناورات غطت ثلاثة بحار البحر الأسود وبحر إيجه والبحر المتوسط وهذه الخطوات من تركيا تؤكد قلقها عن الأوضاع والتطورات المتسارعة حول حدودها وكأنما هي محاطة بمخاطر تشبه الأزمات والمخاطر التي كانت في أيام الحرب العالمية الأولى والتي أخيرًا وأدت مقر الخلافة الإسلامية في البلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد