قتل الرئيس مرسي، آخر مكتسبات ثورة يناير، والممثل الوحيد المتبقي لشرعية تحققت له من خلال انتخابات رئاسية نزيهة؛ ولقناعة لدي بعض معارضي الخارج أن مرسي هو الشرعية، بدأت حفلات الاصطفاف الماجنة على قبره، فهذا يرى موته قد أراح المشهد الثوري، وذاك يؤكد أنه مسمار جرى اقتلاعه. قدم متعهدو أفراح الاصطفاف المبادرة تلو الأخرى بأشكال مختلفة، فربما ينجحوا فيما فشلوا فيه عندما أتت سفينة يناير بما لم تشته أنفسهم. طوال ست سنوات هي عمر الانقلاب، سار المصطفون في خطين متوازيين، الأول، كان استكمال ما بدأه الانقلاب من تكسير عظام جماعة الإخوان في الخارج، عبر قنوات مملوكة لهم ترسخ في ذهن المشاهد فكرة فشل القيادات في اتخاذ القرارات، وفي إدارة ملف رابعة، وفي حماية أعضائها، وفي إدارتها؛ أما الخط الثاني: فهو استثمار عذابات المعتقلين وابتزاز مشاعر المتابعين، وقلب الحقائق والمفاهيم، وإطلاق شعارات عنترية لا ظل لها في أرض الواقع، بحيث يرى الناس أن أي حل أيًّا كان سيكون مقبولًا.

المشكلة ليست في الاصطفاف نفسه، بل في توصيفه، وفي رؤى المشاركين فيه، وفي الأهداف المنشودة من ورائه. إن اصطفافًا يقوم على استكمال ما بدأه انقلاب لا يمكن أن يفضي إلى استعادة حقوق مسلوبة. إن استخدام مصطلح الاصطفاف بشكل فضفاض لا أطر له ولا زوايا، كمن يبيع قطعة أرض على المشاع! يتلخص مضمون الأطروحات التي يقدمها مندوبو مبيعات المبادرات، في فصل الدين عن السياسة، واستخدام فصيل الإخوان مقاول أنفار يدعم أي حراك شريطة اعتزاله السياسة.

ندور منذ ست سنوات في دائرة مفرغة، ليتضح مفهوم الاصطفاف، لا بد أن يتضح مفهوم الشرعية أولًا.فلنفترض أن المعجزة حدثت، وأن الاصطفاف تم، وقامت ثورة عارمة اقتلعت المنقلب، من سيمسك زمام الحكم؟! مجلس رئاسي؟ لنفترض جدلًا أن الجيش سيترك أمرًا كهذا يحدث في بلد بحجم مصر؛ يبقى السؤال:إذا ما أقيمت بعد ذلك انتخابات وتقدم إخواني وفاز، هل سينقلب الآخر مجددًا؟! أم أن الاصطفاف المنشود سيقوم في الأساس على ألا يتقدم الإخوان بمرشح ؟! هل هذه هي الديمقراطية التي ستقتلع ديكتاتورًا؟!

الشرعية هي حق شريحة كبيرة قدرت بنحو 50% من الشعب المصري صوتت لرئيس، أيًّا كان توجهه، هذه الشريحة تعترض على سلب حقها في اتخاذ القرار. الشرعية هي حق الاختيار، لا تنتهي صلاحيتها بانتهاء أجل المختار. إذن فموت مرسي لا يعني موت الشرعية.

عند ذكر «الشرعية» يتقافز صغار المصطفين غضبًا متسائلين، وما الحل؟ فالحل في نظرهم حاليًا ينحصر في التخلص من قيادات الإخوان؛ لأنهم تمسكوا بالسلمية، والخروج خلف أي داع دون تحليل الماضي من أجل بناء مستقبل أفضل؛ مع ملاحظة أن المصطفين لا يخرجون عن السلمية، ولا يدعمون أي تحرك إلا إذا كانوا هم الداعين له.

ينجرف كثير من المتابعين للشأن المصري نحو مشاعر المصطفين الملتهبة دائمًا، واستدعائهم لما يتعرض له المعتقلون في سجون الانقلاب من إهمال طبي، وتعذيب غير آدمي، وقتل عمد، والإشارة بأصابع الاتهام نحو الإخوان كمسببين أو فشلة. يدرك العالم أن جماعة الإخوان الصامتة ظاهريًّا تعيش معركة نفس طويل مع الانقلاب ويرفض مؤيدوها تصديق أن ليس كل الصمت ضعفًا، وليس كل الصبر عجزًا، وليس كل ما يدور خلف الكواليس يصدر به بيان؛ فرفضهم الرضوخ يسبب للمنقلب صداعًا مزمنًا رغم ما يصوره لنا من استقرار، وإلا لماذا يحتجزهم إلى اليوم لو كان مسيطرًا حقًّا؟ ولماذا هو يسابق الزمن ليحقق ما خطط له. إن ما يتعمده بعض الناشطين من فصل لما يحدث في مصر عن السياق العالمي لجريمة، هؤلاء الذين يثيرون قضايا داخلية لمرة واحدة دون متابعة، فيستحوذون بها على انتباه الجمهور، ويجذبونهم بعيدًا عن قضايا دولية تقع مصر في القلب منها، إنما يسطحون الأزمة المصرية.

سُئلت كثيرًا عن الحل، وأقول إنه يكون أولًا، بالرجوع إلى الله، وأظن أن كثيرين صاروا يرون هذا الحل نوعًا من الدروشة، بعد أن سيطرت على الأدمغة فكرة أن إرادة الشعب هي من تقول كن فيكون، وأذكركم أنه عندما عاد الشعب إلى الله لعشر سنوات في آخر عهد مبارك، رزقنا الله بموجة تطهير لم نصنها، وثانيًا، أن الثورة بهذا الأسلوب المكرر لن تكون حلًّا؛ لأنها منتج استعماري لتغيير وجه الشرق الأوسط، ولا يستقيم أن يكون الدواء هو الداء؛ ما أراه، هو أن أهل الحق أضعف حاليًا من أن يفرضوا أنفسهم على المشهد، ولكن عليهم أن يراقبوا التحركات العالمية، وأن يبنوا سفينتهم في قفر الآمال، وأن يتحملوا سخرية المتعجلين والمنافقين، وأن يتحينوا أول فرصة لركوب طوفان ثوري حقيقي يرسو بهم على جودي حرية، المهم وقتها أن يدرك الجميع اللحظة الفارقة، وأن يلبوا نداء الداعي. إلى الآن تمتلك جماعة الإخوان إمكانيات صناعة السفينة والقيادة، فعلى من يريد أن ينافس أن يتجهز من الآن، وإلا فلا يدعي عدم جاهزيته وقت الجد.

كلما راجعت فصول ثورة يناير وما بعدها، تمر بذاكرتي قصص قرآنية أربع:

الأولى: قصة قارون حين قال للناس «لقد أوتيته على علم عندي»،فخسف الله به وبداره، والثانية، قصة البقرة وأمر الله لبني اسرائيل أن يذبحوها، كان ثمنها دراهم، فلما تململوا وتدللوا شروها بما يقابل وزنها ذهبًا؛ والثالثة: قصة قوم عيسى -عليه السلام- حين جاءتهم مائدة من السماء بالمن والسلوى كما طلبوا، ثم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ والرابعة: قصة موسى عليه السلام وعدم استطاعته الصبر على الخضر؛ حتى سرد له ما خفي عنه من حكمة الله.

كم تمنى المصريون حرية وديمقراطية؛ وكم دعا الملتزمون الله أن يرزقهم برئيس إسلامي، فلما استجاب الله لهؤلاء وهؤلاء، لم يشكروه وقالوا إنما جاء بإرادة الشعب صاحب القرار، فخسف الله بنجاحهم،  ومنهم من قال: «وما أدرانا أنه سيطبق الشريعة كما نزلت، فليحكم بلا دين، إن هو إلا رجل ضعيف ولولا رهطه لرجمناه، وما هو علينا بعزيز»، ومنهم من قال: «إنه متهاون ضعيف، ونحن نريد ابن الخطاب أو صلاح الدين»؛ وها هم جميعًا يدفعون الأوراح الغالية ليشتروا أرخص الحلول ولا يحصلون؛ جاءهم رئيس بدرجة أستاذ دكتور مهندس، كان رئيسًا لأكبر حزب مصري، فاستبدلوا به عن عمد أو جهل أخرق لا ثقافة ولا علم ولا فكر؛ لم يصبروا واستبقوا كل حدث بتحليلات وتصورات تخيلية، ضخمها إعلام سحرة سرى من شاشات المنقلب وتسلل لشاشات ادعت وقوفها إلى جانب الشرعية.

الدرس المستفاد هو أن صون نعمة غير مكتملة، والصبر عليها قد يبلغك أملك، وأن جحدها وتعجل الآمال قد يلقي بك في واد أهوال كنت في غنى عنها.

قال تعالى: «ولئن شكرتم لأزيدنكم، ولئن كفرتم إن عذابي لشديد».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد