القوى العلمانية، فيرجينيا جميلة الجميلات المتخفية في ثوب المدنية خوفًا من مواجهة جمهور يتسلي بمنهجها ولا يعتنقه، بعد أن تأكدت أن تيارًا إسلاميًا ركب موجته الثورية لتحمله إلى سدة حكم لم تقدم له مرشحًا واحدًا، لا يقبل بشروطها التي أملتها على رئيس انتخبه الشعب من بين صفوفه؛ أقبلت على خيمة العسكر في ليلة هي أقل جمالًا من ليالي ثورة يناير، لتجثو على ركبتيها طالبة العون من جيش آرثرها لتتخلص من ذلك التيار الذي لا يسمح لها بتنفيذ أحلامها، وهي التي ما اجتهدت لتخوض حربًا أو لتكسب أرضًا. رفضت الجميلة عروضًا شريفة قدمها الرئيس المنتخب الوحيد محمد مرسي لشغل مناصب حساسة وللمشاركة في وضع حجر أساس دولة ديمقراطية وليدة، وما كان منها إلا أن جمعت خفافيشها لتشكل جسد جبهة إنقاذ ترفض جلسات الحوار الوطني، وتصرخ بصوت تملؤه الثقة في أبواق العالم المتآمر المتعطش لتلك اللحظة متسائلة؛ ماذا بعد مرسي؟

بعد الانقلاب على الرئيس الشرعي واختطاف الدولة، وبعد أن احترقت فيرجينيا الجميلة بيد من ظنت أنها ستنال الملك على يديه، عادت لتفتش في دفاترها القديمة، فتقربت ممن بقي حيا في معسكرات الشرعية التي دهستها سنابك جيوش استدعتها، وارتدت عباءة الاصطفاف وتباكت دون دموع كي لا تفسد طبقات مساحيق تجميل سميكة لا تخفي قيحها، وتساءلت مرة أخرى: ماذا بعد مرسي؟

واليوم بعد مبادرات وفشل اصطفافي متكرر تعزي فيرجينيا أهل الشرعية بصيغة (العائدين من معسكر الانقلاب ينعون مرسي ويدعون للاصطفاف) على طريقة كوهين الذي أعلن عن محله لتصليح الساعات في نعي ابنه، ثم ما تلبث أن تعيد نفس السؤال، ماذا بعد مرسي؟

بات الأمر واضحًا لا يحتاج لمزيد من التفسير، فالقوى العلمانية لم يكن هدفها الثورة بقدر ما كان همها الأكبر هو القضاء على مرشح الإخوان واخضاع التيار الإسلامي بالكامل؛ وإلا فبم نفسر هجومها الضاري على مرسي وجماعته قبل وأثناء وبعد حكمه، في حين أنهم لم يوجهوا ربع طاقتهم تلك للعسكر الذي يفترض أنهم ثاروا ضده في 2011؛ على النقيض، رأيناهم يسايرونه في إعلام ما قبل 30 يونيو (حزيران)، ويحملونه فوق الأكتاف في ثورة الست ساعات، ثم يشاركونه في مشهد الانقلاب الصريح، ويتقلدون مناصبه، ويضعون معه دستوره، معترفين به، راضين بناره التي أكلتهم، رافضين جنة الإخوان.

بعد اغتيال محمد مرسي، تنتعش ذاكرة علمانيي مصر في إسكتش ساقط، يعترفون فيه بشرعية الرئيس المنتخب بعد ثورة يناير؛ وبعد أن أنكروا على الرجل حصافته وعلمه ومنصبه، الآن يلقبونه بالدكتور والرئيس! على سبيل المثال: يبكيه النائب المؤقت المنقلب، فيعتذر حجي بصوت نادم تخنقه العبرات متعللًا أنهم لم يسمحوا له في لقاءاته أن يتحدث عن مناقب الرجل! ويبدو أنهم سيطروا على أصابعه أيضًا فلم يستطع أن يغرد برأيه على حسابه الشخصي، أما البرادعي فكان نعيه أقرب لمواساة المعلم بيومي للشاويش خميس (الله يجازي ولاد الحرام).

وبنفس التناغم مع سيل الذكريات المفاجئ لبطة الانقلاب السوداء (فيرجينيا)، تصدر الأمم المتحدة بيانا تطالب فيه بفتح تحقيق شامل ومستقل لتكشف ملابسات وفاة مرسي وظروف احتجازه! وتتفجر الصحف الأجنبية والمواقع مقالات عن طيبة وأخلاق وشرعية الرئيس المنتخب، والخرافات التي أثيرت حوله كمبرر للانقلاب عليه، فتنزل صورته على غلاف التايمز، وتنشر الجرائد العالمية عن الشكوك المثارة حول موته؛ وتعلق الحكومات على الحدث، فهذه ألمانيا تعرب عن قلقها، وتلك فرنسا تتهم الامارات بضلوعها في مقتله! يا للبشاعة آلآن يعترفون؟! أين كانت آذانهم عندما صرخ بأنه يتعرض للقتل؟

يا إلهي، هل أفاقوا من الغفلة؟ هل شعروا بفداحة الجرم وطلبوا من الله الغفران؟ بالطبع لا؛ كل ما في الأمر أنهم يخفون سعادتهم بإزاحة مرسي – كعقبة كؤود كانت تسد طريق سعيهم نحو ثورة جديدة – عبر ترحمات واعترافات ودروس عن المبادئ والقيم، هم يمهدون لدفع عجلة اصطفاف خال من كلمة شرعية، ففي ظنهم أن الذي كان يمنع مؤيدي مرسي من الانضمام إليهم هو بقاؤه حيًا، وبما أنه قد مات، فستضل كل هذه الأعداد طريقها، ولن تجد لها مظلة جامعة سوى جمعية وطنية للتغيير، ولكن هذه المرة لا تحوي إخوانًا أو إسلاميين فاعلين. يعلم العلمانيون أنهم لن يحركوا حجرًا دون الصعود على كتف الجسد الإسلامي الضخم، لذلك سعوا وما زالوا لفصل رأسه؛ ليتمكنوا من القيادة، ولم يفطنوا إلى أن سيارة النقل الثقيل لا تنطلق بمحرك توكتوك.

كنت أسأل نفسي دائمًا: لماذا لا يتخلص المنقلب من مرسي وينهي الأمر؟ وأجيبها، ربما ليظل تهديد الإسلاميين بالعودة للحكم قائمًا فيبتز الخارج ويخوف الداخل، وليظل هناك مبرر لقتل واعتقال المعارضين، وليستطع إنجاز مشروعاته في سيناء تحت غطاء الإرهاب، فيخلي مناطق، ويحفر حاجزًا مائيًا جديدًا، ويبني أنفاقًا، ويستبقي المعونة الأمريكية، ويجعل سيناء خارج التغطية تمهيدًا لصفقة القرن التي أكد لترمب أنه سيبذل كل جهده لتنفيذها.

بالتوازي، اجتهد المنقلب لينتزع اعترافًا بحكمه من الرئيس محمد مرسي وقيادات جماعة الإخوان المسلمين في السجون، وكان ذلك يظهر كل عام مرة أو مرتين في شكل مبادرات تصدرها برامج بعينها لمؤيدي مرسي لجس نبض الجمهور، وإيصال الرسالة لمن بقي من قيادات الجماعة في الخارج، ولكن في كل مرة كان عرضه يقابل بالرفض من جميع الأطراف، وبالتالي كان ينفي أنه قدم تلك المبادرات. والحقيقة أن اعتراف الرئيس وغلق ملف الجماعة لم يكن ليحل المسألة، ففي الحالتين سينتهي الحال إلى نفس المصير، فلا يعقل أن منقلبًا سيخرج قيادات حزب حاكم انقلب عليه لتلتف حوله جماهير مؤيديه؛ كل ما في الأمر أنه كان سيسكت ألسنة بعض الدول التي تشكك في شرعية حكمه، وسيقضي على الجماعة الوحيدة التي تدعم حركة حماس، والتي تمثل شوكة في حلق الكيان الصهيوني؛ ولما فشل لجأ إلى القتل؛ وربما جاء تصريح وزير أوقافه صريحًا جدًا حين قال إن جماعة الإخوان تستحق البتر لأن سياسة الاستيعاب لم تصلح معها.

إن غرور المنقلب يعمي عينيه عن حقيقة أنه بمقتل الشرعية تبدأ محاولات داعميه التخلص منه شخصيًا بعد أن قدم كل القرابين الممكنة والمستحيلة، وبعد أن صار عبئًا زائدًا، بابتزازه الذي لا يتوقف، ثم بلعبه بالنار مع كبار العالم ومحاولاته اعاقة بعض سياسات محتل لصالح محتل آخر. خلال محاولات إزاحته، سيتنازل المنقلب لمن مكنوه أكثر وأكثر في مقابل البقاء إلى أن تحين لحظته. من وجهة نظر الدول الداعمة للانقلاب، أن مهمة اصطفاف المعارضة ستصير أسهل باختفاء مرسي من الصورة، وسيصبح الدرب ممهدًا لمرحلة ثالثة تصحيحية لثورة يناير في ظل أجواء الشارع الغاضب، يكون قائدها النخبة التي أرادوها والتي أعاقها الإخوان المسلمون عن الوصول، متى؟ لا نعلم، ربما بعد أن يتمم العميل صفقة القرن! ولكن الأكيد أنه من الجيد أن الظالم لا ينظر في سنن من سبقوه.

يتبع..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد