دعوات اسقاط النظام في السودان و ما بعدها

تتنوع طرق الحكم، وتتباين طرق ترك الحُكام لكراسيهم؛ فبينما يلتزم البعض منهم بالنهج الديمقراطي في التداول السلمي، وترك الحكم طواعية بعد انتخابات يسودها مناخ حرية الاختيار، يُفضل آخرون التشبث بكراسيهم، والعض عليها بالنواجذ؛ مما يضطر شعوبهم لسلك سُبل أخرى، من أجل نقل السلطة إلى غيرهم، ونزعها منهم انتزاعًا، مثل انتزاع الله لمُلُك أحدهم، سواء كان ذلك بثورة شعبية، أو معارضة قوية، أو حركة انقلابية، وغالبًا ما يُصاحب ذلك فوضى، تعقب هذه الثورات، والتي تمثل أكبر تحديًّا للحكومة الجديدة.

غالبًا ما يلجأ الحكام المخلوعين إلى استخدام بقاياهم، الذين ما زالوا يمسكون ببعض مفاصل الدولة؛ لإغراق البلاد في الفوضى، وذلك لتحقيق أغراض، منها برهنة أن فترة حكمهم كانت عبارة عن نعيم من الأمن، مقارنة بالفوضى التي حلت الآن، وإظهار الحكومة الجديدة بمظهر العاجز عن حل مشكلات البلاد؛ مما يؤدي إلى زعزعة ثقة الشعب في الحكومة الجديدة.

إن حركة الاحتجاجات الثورية في السودان التي تُنادي بإسقاط النظام، تعاني من قِصَر النظر، حيث إن غاية منتهاها وخُططها تنحصر عند جملة «تسقط بس»! ولا تتعداها إلى ما بعدها، فإسقاط النظام يعني نجاحًا، ولا بد لهذا النظام أن يعقبه استقرار، ولكن بدون خارطة واضحة تبين معالم طريق ما بعد إسقاط النظام، سيتحول هذا النجاح إلى فشل.

يجب لقضايا مثل، مَنْ يحكم السودان في حالة سقوط النظام الحالي؟ وكيف يحكم؟ أن تناقش الآن، وليس لاحقًا؛ وذلك لتجنيب البلاد الانزلاق في فوضى ما بعد الثورات، ولسد الثغرات أمام أي فراغ دستوري، أو أمني، أو إداري؛ لذلك يجب التفكير في هذه المرحلة بكل جدية وإعطائها كل الاهتمام، وإفراد مساحة واسعة لمناقشتها، والخروج برؤى واضحة، وحلول لكل مشكلة.

في حال سقوط النظام الحالي، لا بد من تشكيل حكومة انتقالية، تكون مهمتها الوحيدة الحفاظ على الأوضاع مستقرة، والإشراف على تنظيم انتخابات حُرة ونزيهة، وتهيئة مناخ ديمقراطي للشعب؛ حتى يُحسن اختيار من سيحكمه، وغالبًا ما ستسعى النخب السياسية، ومعارضة اليوم لتكون هي حكومة الغد؛ ولأن «الثورات يصنعها الشجعان، ويجني ثمارها الجبناء» ستسعى الأحزاب المعارضة لاستغلال سقوط النظام الحالي؛ وذلك لإظهار نفسها باعتبارها بديلًا له؛ لأنها تملك خبرة وعلاقات خارجية، تتيح لها الترويج لنفسها، باعتبارها أفضل من يحكم هذه المرحلة.

إن الهاجس الأمني هو أكبر معضلة تواجه حل أحجية الثورات، وإسقاط الأنظمة، حيث يسعى النظام الذي يجري إسقاطه إلى إتلاف كل الوثائق التي قد تدينه، والقضاء على كل ما يشكل خطرًا عليه، حيث يعمد حين إحساسه بأنه زائل لا محالة إلى إتلاف الوثائق، وإخفاء أي دليل يمكن أن يدينه، والتي غالبًا ما تكون الأجهزة الأمنية مستودعًا لها، ومن جانبها تسعى الحكومة الجديدة إلى التخلص من الأجهزة الأمنية، وتفكيكها سريعًا؛ وذلك إما إرضاءً لجموع الثوار الذين أتوا بهم إلى الحكم، والذين ساهمت هذه الأجهزة في تحجيم حِراكهم الثوري، ومحاولة إسكات أصواتهم؛ لذلك صارت في مواجهة مباشرة معهم، أو قد تلجأ الحكومة الجديدة لتفكيك هذه الأجهزة؛ انتقامًا منها للدور الذي لعبته في محاربتها، واضطهادها إبان وجودها في صفوف المُعارضة.

وأبرز مثال لذلك في تاريخ السودان الحديث، هو جهاز أمن الدولة المنحل، أو جهاز أمن الرئيس «نميري» كما يطلق عليه، حيث أدت الفوضى التي أعقبت الإطاحة بالرئيس «النميري» إلى تفكك هذا الجهاز، الذي كان يمسك بالكثير من الملفات الداخلية والخارجية، حيث صارت وثائقه السرية جدًّا مقذوفة في شوارع الخرطوم، تتقاذفها الرياح، وصار أفراده فجأة بلا قيادة توجههم لما يجب فعله، وفقدت الكثير من محطات المخابرات الخارجية السودانية السرية الاتصال بالخرطوم، وفقد الجهاز الكثير من مصادره الخارجية، واختفت شبكات التجسس السرية التي لم تكن معروفة إلا لقادتهم المباشرين.

لذلك يجب التفكير فيما سيحدث في صباح اليوم التالي، لسقوط أي نظام؛ حتى لا يستيقظ الشعب على صوت الفوضى، وانعدام الأمن، حتى لا نلتفت يمينًا ويسارًا بحثًا عن حلول لن تأتي في زمان الفوضى والأزمات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد