قبل عدة أيام دار بيني، وبين صديقٍ ليّ، حوارًا طويلًا حول أمور الحياة ومضاميرها، وفجأةً تطور حوارنا وانطلق إلى خارج عالمنا الملموس والمحسوس، واستقر في عالم ما وراء الطبيعة، أو كما يعرف علميًّا «العالم الميتافيزيقي»!

وبعد الشد والجذب الذي دار بيننا حول أسرار الوجود، جحظت عيناي، وتقلص وجهي؛ بسبب ما تفوه به الصديق، وبالرغم من أنني أعلم بأنه بدأ مؤخرًا يطلع على بعض الكتب التي تبحث في عالم ما وراء الطبيعة، ولكنني لم أعلم أن الشخص الجالس أمامي، بات «كارل ماركس» و«نيتشه» و«دوكينز»، و«راسل وجيفارا» عصره.

وفي تلك الأثناء قاطعنا أحد الأصدقاء محاولًا أن ينهي هذا الحوار العقيم، وهي فرصةٌ استثمرتها للعصف الذهني، خاصةً بعد أن قرأت قبل عدةِ أسابيع كتاب «الله»، الذي يبحث في نشأة العقيدة الإلهية، منذ أن أتخذ الإنسـان ربًّا، إلى أن عرف الله الأحد، واهتدى إلى التوحيد، للعملاق «عباس محمود العقاد».

وذلك العصف دفعني إلى طرحِ سؤالٍ ملغم «ما هو الله»، فمرت ثوان, ولم ينبس ببنتِ شفة، حتى استجمع قواه الشيطانية، وقال لي إن الله قوة غير واعية وغير مدركة لما تحدثه في الكون، ودليل ذلك وجود الخير، والشر، والعدل، والظلم والسعادة، الحزن … إلخ. ولو كان الله واعيًا لسارت الحياة كما تسير عقارب الساعة، بشكل منتظم، وبدونِ المتاعب والعقبات التي نواجهها يوميًا!

ولعل أهم نقطة ارتكز خلافنا عليها هي «ما هو الله»، وعلى الرغم من حرصي الكبير عدم الخوض في مثل هذه الحوارات؛ لأنني أعرف أن العقل البشري قاصرٌ، ولا يمكنه أن يستوعب الوجود الكوني، إلا أنني اضطررت اضطرارًا كبيرًا على الرد، واستندت في ذلك على ما رواه «ابن أبي حاتم» و«الطبري» في تفسيريهما أن أعرابيًا قال يا رسول الله «أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ» البقرة: آية 136، وهذا دليلٌ على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الإعرابي السائل، وحتى أُجنب ذلك الصديق من الوقوعِ في حفرةٍ مهجورةٍ، لا يسكنها إلا الملحدون الذين يعتقدون أن الكون بمجملهِ صدفة، ولا يوجد هناك مدبر وصانعٌ له.

ولا أعتقد أن هناك ردًا أفضل على هذه الخزعبلات، مما ذكره العقاد في كتابه؛ فالله ذاتٌ وقوة واعية، فلا يجوز في العقل، ولا في الدين، أن تكون له حقيقةً غير هذه الحقيقة، والكلمة العربية التي تعبر عن هذه الحقيقة، وهي كلمة «الذات»، أصحُ الكلمات التي تقابلها في لغاتِ الحضارة الغربية أو الشرقية المعروفة؛ لأنها تمنع اللبس الذي يخترق الذهن من نظائر هذه الكلمة في الفلسفة اللاتينية وغيرها.

فإن كلمة «Persona» تدلٌّ على «الشخص»، واستخدم هذا المصطلح الإغريق عدة استخدامات، منها النقاب الذي كان الممثلون يلبسونه ويستعيرون به على المسرح وجوه أبطال الرواية، ثمّ أطلقوا الكلمة على الأشخاص الممثِّلين في عقدٍ من عقود الاتفاق، فيقال إن الاتفاق معقودٌ بين شخصين، أي بين طرفين، ويقال إن هذا الشخص في الموضوع أي طرف له صفة في الموضوع، ومن الغريب أن يطلق أي فيلسوف هذه الكلمة على الذات الإلهية، فيجب أن يشعر بالخزي لإطلاق كلمة «الشخص» على الخالق الذي أبدع في خلق هذا الكون، فالله منزه، وأعلى من صفاتِ الأشخاص المخلوقين، وخالقهم هو الله.

وأصل كلمة «Substance» التركيب المزجي، وكأنهم عبروا بها عن الجوهر, وهو الله، لأنه يبقى بعد زوال الأعراض وهم المخلوقات.

إن للوهلة الأولى، وبعد سماع هذه الكلمات، ينصرف الذهن تلقائيًّا، إلى الماهية والجوهر والذات، ويجعل لها حكمًا واحدًا في التصور والتقدير، ويتضح الفارق بين المقصود بالذات، والمقصود بالجوهر والماهيات.

أمّا كلمة الذات الواعية باللغة العربية، فلا تستلزم التشخيص في الحقيقة، ولا في المجاز، ولا تقتضي التشخيص، أنها معنى بغير كيانٍ مشتمل على الوعي بالصفات الواعية، فهي تدلُ على الجوهر الذي تضاف إليه الأوصاف، وتدل على الكائن الذي يملك صفاته، فهو ذو تلك الصفات العظيمة.

فنحن نعدد صفات الكمال المطلق، ولا نستطيع أن نفهم هذه الصفات الموجودة وكونها لغير ذات، فإن كان الكمال المطلق بداهة فإن هذه الصفات الموجودة تكون لغير ذات، وإذا كان الكمال المطلق  يشتمل على الحكمة المطلقة، والإرادة المطلقة، والخير المطلق، فهل من الممكن أن يكون لحكيمٍ غير واعٍ بذاتهِ؟ والجواب البدهي هو «لا، بكل تأكيد»!

وبهذا الصدد، يقول شكسبير في روميو وجوليت «ماذا عن الأسماء، ثم قال إن الوردة تفوح عطرًا، حتى ولو سميت بغير ذلك من الأسماء»، والله الخالق المريد الذي يقول لشيء كن فيكون، مهما عدد أسماءه الملحدون، يبقى حقيقةً ثابتة لا جدال فيها، «الله هو ذاتٌ واعية» بهذا الكون المديد.

ولكن الواقع ينص حسب ما ذكره العقاد، أن في الأسماء كثيرًا من الإيحاء، حتى في عقول الفلاسفة، ومن إيحاء كلمة «الشخص»، التي تم ذكرها سلفًا، أنها حملت بعض الفلاسفة على التفرقة بين صفات الكمال المطلق، وصفات الذات الإلهية؛ لأنهم أخطروا في بالهم الشخوص، وأخطروا معها الحدود، ففرقوا بين الكائن المطلق الكمال، وبين الكائن الذي له حدود، لدرجة أن بعض الفلاسفة الأوروبيين قالوا إن الكمال المطلق معنى من المعاني يتعارض مع الذاتية؛ لأن الذاتية عندهم لا تكون لها حدود.

وفي هذا المقام، نرجع إلى كلمة الذات الواعية العربية، التي لا توحي إلى الذهن أبدًا معنى له حدود، بل يستوجب الكمال المطلق أن يكون مالكًا لكلّ شيء، وأن يكون ذاتًا في لفظهِ ومعناه، إن الكمال المطلق يحتوي كلّ موجود، والذات الإلهية تعبر عن هذا المعنى أصح تعبير.

العقل المؤمن بوجودِ الله سبحانه وتعالى، سواء كان يهوديًّا أو مسيحيًّا أو مسلماً؛ لأن كل الديانات السماويّة بُنيت على التوحيد، حتى اليهودية والمسيحية قبل تحريفهما، يستلزم أن يكون الكمال المطلق ذاتًا، ويتطلب كائنُا كاملاً يوصف بالكمال، وينكر أن يجعله معنى خاليًا من الوعي، كما في العقائد الوضعية؛ لأن نقص الوعي نقص من صفات الكامل الذي لا يعاب.

أما دينيًّا، فلا يستقيم الدين بغير إله تتصل به كل المخلوقات، ويتقبل منها الحب والرجاء، ويستمع لها استماع المريد القادر على كلِّ شيء، فالحقيقة الثابتة تؤكد أن ليس هناك دين من الأديان ـ قط ـ دان به الإنسان، وهو في قرارةِ نفسه مجرد من فكرةِ الذات الإلهية كل التجريد.

وفي الديانة البوذية التي انشقت عن البرهمية، هناك اعتقادٌ سائد بوجودِ إله يدعى «فالنرافانا»، وهو الذي لا يعي نفسه، ولا يعي ذاته وفقًا للمعتقدات البوذية، إضافةً إلى أن تفسير البوذية لولادةِ الإنسان تنص على أن الإنسان يولد مرات، بعد مرات، وإنه يلبس أجسادًا بعد أجساد، والسؤال الواجب طرحه هنا، إن الإنسان الذي يتجدد مرة بعد مرة، فبأي شيءٍ يتجدد، إن لم يتجدد بذاتٍ باقية وروحٍ واعية؟

ويقول العقاد في هذا السياق، لا يعتبر الإنسان متدينًا، وهو ينكر ذاته، وينكر ذات الإله، وعلى خلاف ذلك يؤمن في قرارةِ الضمير بالقوى الكونية الجبارة، التي لا تعقل ولا تعي ما تفعله.

وفجأةً، رفعت حدة صوتي في الوقتِ الذي بدأ الحوار يلتقط أنفاسه قائلًا «يا صديقي إن العقل والدين متفقان بأن الله ذاتٌ واعية؛ لأن العقل لا يفهم إلهًا بغير ذات، ولا يفهم الكمال المطلق يأتي لغير كائنٍ كامل، أو يأتي ناقصًا منه الوعي، كما أسلفت أنت ذكره، فمن فكر في الله فكر في ذاتٍ، ومن آمن بالله آمن بالذات».

وبعد أن سمع ذلك، اشتد غضبه ووقف سائلًا «إذن ما هو الله؟» أجبته «إن الله الكون كله»، ثم سألني مجددًا «وما الكون كله؟»، قلت له «هو الله».

يُذكر أن الكرسي الذي كان الصديق جالسًا عليه، تكسّر من شدةِ الضربة التي تلقاها بعد انتهاءِ الحوار!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد