في أواخر شهر سبتمبر (أيلول) صدرت أوامر بهدم الكثير من المناطق السكنية في منطقة الخان الأحمر الواقعة شرقي القدس، وبالفعل باشر الاحتلال بتنفيذ عدد من عمليات الهدم، عدا عن تعديه على الأهالي الذين حاولوا التصدي لهذه العمليات والدفاع عن أراضيهم ومنازلهم، وفي الأمس صدرت أوامر جديدة للهدم في منطقة سلوان، واليوم صدرت أوامر أخرى، وتم تنفيذ عمليات هدم للمنشآت السكنية والتجارية لما يقارب مئة وحدة في أقل من يوم في مخيم شعفاط، فإلى متى ستستمر هذه الهجمة الشرسة على المباني والمنشآت؟ إلامَ يرمي الاحتلال من وراء هذه الأفعال؟ وماذا بعد هذه القرارات المجحفة بحق المدنيين العزل؟!

إن «عدم الترخيص» هي الحجة أو الشماعة التي يعلق عليها الاحتلال كل عمليات الهدم والترحيل في كل مرة، مئات من البيوت والمحال التجارية هدمت واستلمت إخطارات هدم بحجة عدم الترخيص، وهنا لا بد من التساؤل، هل يبدو الأمر منطقيًا أن تبنى عشرات بل قل مئات البيوت في نفس المنطقة أو الحي وأن يكون معظمها دون ترخيص؟! إذا كان الأمر كذلك أين كانت البلديات المسؤولة عن هذه المناطق وعن أهلها حين أقاموا هذه المباني؟! ثم أليست هذه المباني قائمة منذ سنوات فلماذا النبش والتنقيب في أمرها هذه الفترة؟! لم هذا الهدم والهجوم غير المسبوق على هذه المناطق؟

أسئلة كثيرة تطرح نفسها على الساحة الفلسطينية بالنظر إلى هذه الأعمال التعسفية التني صارت تتم بشكل شبه يومي دون رادع!

بالرجوع بالذاكرة إلى الوراء قليلًا وربط ما حدث في العام الماضي بأحداث هذه الفترة وفشل الاحتلال في فرض السيطرة على المنطقة الداخلية للقدس، والاستمرار في عملية الحفريات التي بدأها العام الماضي أبان وضعه للبوابات الإلكترونية، ومنعه الناس من دخول المسجد الأقصى والصلاة فيه كان لا بد من انتهاج سياسة جديدة في الهدم، إلا وهي السياسة العزل التي تطبقها في هذه الأيام من خلال هجومها غير السبوق على هذه المناطق الذي سيؤدي بدوره إلى عزل القدس عن المناطق المحيطة، وتفرد الكيان الصهيوني بها ليكمل ما بدأه العام الماضي، علاوة على أن هذه المناطق ستأخذ طابعًا يهوديًا أو عسكريًا تبعًا لطبيعة الدور الذي ستلعبه في المنطقة.

في هذا نرى أن سياسات الاحتلال هدم كانت أم تدميرًا أم اعتقالًا وتخريبًا كلها مدروسة ومخطط لها لخدمة أهدافهم بطريقة أو بأخرى، وعليه فالأمر لا يكمن في قضية الترخيص أو اعتراض هذه المباني للطرق، فلو بحثنا ودققنا جيدًا في هذه المناطق لوجدنا أنها مناطق مفصلية بارزة ذات أهمية استراتيجية بالنظر لموقعها من القدس، وهنا تبدأ كل الأسئلة بالوضوع وتزول الضبابية التي تلف الموقف.

فالخان الأحمر يقع إلى شرق القدس، في حين أن بلدة سلوان تقع جنوبي القدس حيث تشكل منطقة فاصلة بين القدس وشمال الضفة وجنوبها، أما مخيم شعفاط فيقع في الجهة الغربية للمسجد الأقصى بجانب حائط البراق، فحساسية هذه المناطق جعلت منها مرمى لكل الأهداف الإسرائيلية في الفترة الحالية، وأظهرت لنا سبب التركيز على هذه المناطق دون غيرها، فهذه المناطق الثلاث تشكل شيئًا أشبه بالحلقة المغلقة حول القدس، ما إن تعرضت للهدم أو وقعت تحت سيطرة الاحتلال بشكل كامل بعد تهجير أهلها، فتفريغ هذه المناطق بأي شكل كان سيؤدي إلى زيادة التواجد الإسرائيلي في المنطقة، إذ ستحل عشرات بل مئات من الوحدات الاستيطانية على أنقاض المنشآت المهدومة، أضف إلى ذلك تضاعف قوات الجيش  الصهيوني التي ستتذرع في تواجدها بحماية هذه الوحدات الجديدة، وأن المناطق المذكورة صارت تحت سيطرتها!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد