يظهر العدد القياسي للرحلات العسكرية الصينية بالقرب من تايوان خلال الأيام الماضية أن بكين مستعدة لتكثيف الضغط على القيادة التايوانية. وحَّلق الجيش الصيني بعشرات الطائرات المقاتلة بما يصل إلى 149 مرة باتجاه تايوان في الأيام الأخيرة، في أحدث محاولة للضغط على الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي من خلال إظهار القوة العسكرية لبكين.
وعلى الرغم من أن جميع الرحلات الجوية كانت في المجال الجوي الدولي، فإنها دفعت قوات الدفاع التايوانية إلى التدافع بالطائرات ردًّا على ذلك وأثارت مخاوف من أن أي سوء تقدير قد يؤدي إلى تصعيد غير مقصود.

ووصف وزير الدفاع التايواني الوضع الحالي بأنه الأشد خطورة منذ 40 عامًا. وجاء هذا التعليق بعد يوم من تحذير رئيسة تايوان تساي إنج ون من «عواقب كارثية» إذا سقطت الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي في يد بكين، وأكد أن تايوان ستفعل كل ما يلزم للدفاع عن نفسها إذا تعرضت ديمقراطيتها وأسلوب حياتها للتهديد.

وتأتي هذه الطلعات في الوقت الذي تواجه فيه الصين رد فعل أكبر من دول المنطقة ووجودًا بحريًّا متزايدًا من الولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات الغربية في آسيا في الوقت الذي تطالب فيه تايوان بمزيد من الدعم والاعتراف العالميين.

وتعد بكين تايوان مقاطعة صينية انفصلت عن الصين القارية وسط حرب أهلية في 1949. كما حشدت الصين على نحو متزايد ضغوطًا عسكرية ودبلوماسية واقتصادية لتقويض إدارة تساي ذات الميول إلى الاستقلال، في حين هددت بإبقاء الجزيرة تحت سيطرة الحزب الشيوعي الصيني.

وتايوان هي جزيرة يفصلها عن الصين مضيق تايوان. ولديها حكومة مستقلة ومنتخبة ديمقراطيًّا، فضلًا عن دستورها الخاص. واقترحت الصين صيغة – «دولة واحدة ونظامان» – من شأنها أن تسمح لتايوان بدرجة من الحكم الذاتي بينما تقبل التوحيد الصيني، وهو هيكل قائم بالفعل في هونج كونج. وقد رفضت تايوان العرض، مؤكدةً أنها ستدافع عن ديمقراطيتها واستقلالها.

وتاريخيًّا، كانت الجزيرة موضع نزاع. وبعد فترة وجيزة من الحكم من قبل الإسبان والهولنديين في القرن السابع عشر، كانت تايوان تحت إدارة الصين لمدة قرنين من الزمان. وبعد انتصارها في الحرب الصينية اليابانية الأولى، استولت اليابان على الجزيرة كمستعمرة من عام 1895 إلى عام 1945. وأصبحت الجزيرة تحت سيطرة جمهورية الصين في نهاية الحرب العالمية الثانية.

وبعد الحرب، اندلعت الحرب الأهلية في الصين بين قوات ماو تسي تونج الشيوعية وقوات شيانج كاي شيك القومية الصينية ــ إذ ادعى ماو النصر وأعلن جمهورية الصين الشعبية في عام 1949 وهرب شيانج وحكومته الكومينتانج إلى تايوان.

وعلى الرغم من حكم تايوان لنفسها بشكل مستقل لعقود من الزمن، تعد بكين الجزيرة على أنها تقع داخل أراضيها. وهناك سؤال كيف يرى العالم العلاقة بين بكين وتايوان؟ ولا يقيم سوى 15 شريكًا متبقيًّا، جميعها صغيرة نسبيًّا، علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان – رغم أن بلدانًا أخرى، بما فيها الولايات المتحدة، تحتفظ بعلاقات قوية مع الجزيرة.

واعترفت الولايات المتحدة رسميًّا بجمهورية الصين الشعبية فى السبعينات، مبتعدة عن الاعتراف بتشيانج زعيمًا للصين. ومنذ ذلك الحين، تبنت الولايات المتحدة «سياسة صين واحدة»، التي تعترف بوجود صين واحدة فقط، دون النظر إلى تايوان ككيان منفصل – على أساس أن مصير تايوان لن يتقرر بالقوة.

وبدلًا من الاتصال بالسفارات، تعمل الولايات المتحدة مع تايوان من خلال المعهد الأمريكي في تايوان، وهي مجموعة خاصة غير ربحية تأسست بعد انفصال الولايات المتحدة عن الاعتراف بتايوان في عام 1979.

وتايوان مستبعدة من المشاركة الكاملة في بعض المنظمات العالمية أو ممنوعة منها: فقد طُردت من الأمم المتحدة بعد دخول بكين في عام 1971 – وإن كانت لا تزال تسعى إلى المشاركة، وحتى أثناء الوباء، لم تكن تايوان جزءًا من جمعية الصحة العالمية، وهي هيئة صنع القرار في منظمة الصحة العالمية. ودعا بلينكين في مايو (أيار) إلى إدراج تايوان في المنتدى مراقبًا.

وفي خضم الصعود العسكري السريع للصين، واستعدادها الوادر لتأكيد سيادتها – على سبيل المثال في هونج كونج بفرض قانون للأمن القومي – تشعر تايوان وأصدقاؤها في جميع أنحاء العالم بالقلق إزاء فرصة حقيقية للصراع في السنوات المقبلة.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2016، اتصل الرئيس المنتخب دونالد ترامب هاتفيًّا بتساي في أول اتصال بين قادة الولايات المتحدة وتايوان منذ عام 1979. وخلال السنوات التي قضاها في منصبه، واصل ترامب زعزعة ما كان يمثل علاقةً حساسةً منذ فترة طويلة بين الولايات المتحدة وتايوان بهدف دعم تايوان دون استفزاز الصين. وفي أيامه الأخيرة في منصبه، رفع وزير الخارجية مايك بومبيو القاعدة التي تحظر التفاعلات بين الدبلوماسيين الأمريكيين والتايوانيين – وهي جزء من سلسلة من التحركات التي يقول بعض الخبراء إنها تهدف إلى إحباط الصين وفرض قرارات صعبة على إدارة بايدن.

ومنذ توليه منصبه، أكد بايدن أن الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان وتدعمها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد