لا يمكن قراءة خطاب الملك المغربي محمد السادس الأخير بمناسبة ما يسمى في المغرب بذكرى المسيرة الخضراء، لاسيما الجزء المخصص للحديث عن واقع علاقات بلاده مع الجزائر، بمعزل عن قرار مجلس الأمن الأخير “2440”حول الصحراء الغربية، المعتمد في 31 أكتوبر 2018، بامتناع روسي بوليفي اثيوبي.

القرار لم يحمل الشيء الجديد لجبهة البوليساريو عدا عن تكرار دعوته لها بالتقيد التام بالالتزامات التي قدمتها إلى المبعوث الأممي هورست كوهلر فيما يتعلق ببئر لحلو وتيفاريتي والمنطقة العازلة في الكركرات. كما أنه لم يشاطر تطلعات المغرب بتمديد ولاية بعثة المينورصو لسنة أخرى، إذ قرر تمديدها لستة أشهر فقط تماهيا مع الضغوط الأمريكية التي يقودها مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض جون بولتون بداعي “التوجيه الأمثل لموارد الأمم المتحدة”

في العمق، يعي جون بولتون الخبير بقضية الصحراء والذي شغل سابقا منصب مساعد المبعوث الأممي إلى الصحراء الغربية “جيمس بيكر” أن المينورصو أصبحت في العشرية الأخيرة أداة للمغرب لتجميد الوضع الراهن وتجسيد مخططه الاستراتيجي القائم على “رهان الوقت” لاسيما قرارات مجلس الأمن “الأبريلية” المتلاحقة بالتمديد لها لسنة بغطاء فرنسي قوي. جون بولتون يعي أيضا أنه لا يمكن أن ينساق وراء موقفه الشخصي الذي قد يبدو مناصرا للجبهة وليحافظ على طابع العقلية الأمريكية البراغماتية يحاول أن يفسر خلل المينورصو في “إهدارها لموارد الأمم المتحدة دون التوصل إلى حل” وذلك من أجل التمديد لها لظرفية أقل من سنة، قد تحرك جمود القضية وتدفع الطرفين للتفاوض الجاد، وهذا ما تريده البوليساريو.

لكن، لا يبدو المغرب قلقا كثيرا لهذه المستجدات، فمن جهة، الضمانات الفرنسية بأن يبقى مصير القضية محكوما بالموقف الفرنسي داخل أروقة مجلس الأمن تبعث بداخله ارتياح معبر عنه في بيانات خارجيته، ومن جهة أخرى، يعتقد بأنه قدم القربان المناسب ليلعب في ميدان الأقوياء وليحظى بدعمهم خصوصا عندما انخرط في الاستراتيجية الترامبية وأعلن قطع علاقاته مع ايران في مايو الفارط وما انجر عنه من تقرب تاريخي من اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة بدد توجسه الكبير من تعيين جون بولتون كمستشار للأمن القومي. كل هذا جعل المغرب مقتنعا بأنه يحافظ بحرص واستماتة على استراتيجية الرهان على الوقت، برغم الضغوط الحقوقية الدولية والقرارات القضائية المؤلمة الصادرة أخيرا عن عدد من المحاكم لاسيما قراري محكمة العدل الأوروبية 2016، 2018. فكان خطاب الملك وفق التفسير المغربي لطبيعة وأطراف النزاع امتدادا لهذه القناعة. لكن لماذا الآن تحديدا يقترح الملك بكل وضوح إنشاء آلية حوار مشترك مع الجزائر؟

يبدو أن القيادة المغربية تأكدت من أن ترشح الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة لعهدة خامسة أصبح أقرب من أي وقت مضى، وعليه فإن خمس سنوات أخرى من الجمود في العلاقات وغلق الحدود، باعتبار فوز بوتفليقة، سيكون ثمنها باهظا على مشوار التنمية بالأقاليم الشرقية للمملكة وتخومها والذي أصبح يهدد الأمن القومي لها، وباعتبار معطى الشعور بالتواجد في موقع قوة في ميزان نزاع الصحراء الغربية، يحاول المغرب إتاحة منفذ خروج للجزائر من النزاع يحفظ ماء الوجه على قاعدة ما كان يُروج له دائما من أن مقترح الحكم الذاتي متوازن، لا رابح فيه ولاخاسر. كما أن استدراج الجزائر لحوار شامل سيكون من أولوياته حتما التطرق لقضية الصحراء ومن ثمة فإن التعمق في مناقشة هاته المسألة، بخاصة الجوانب السياسية لها، يعني تحقق رغبة المغرب في الجلوس مع الجزائر حول طاولة واحدة وإقصاء البوليساريو وبالتالي صبغ النزاع بالطابع الإقليمي. كما أن الخطاب رام إلى تأليب الرأي العام “المغاربي” على الجزائر وتحميلها مسؤولية الانسداد الذي وصل إليه مشروع بناء مؤسسات الإتحاد، إذ خرجت الأمانة العامة للإتحاد المغاربي في بيان عقب الخطاب تمنت من خلاله أن تتجاوب الجزائر مع مقترح الملك رغم غموض هذا المقترح ورغم وجود حقيقة مفادها اقتراب المغرب من الانضمام للإيكواس (المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا) والانضمام الفعلي لتونس للكوميسا( السوق المشتركة لشرق وجنوب افريقيا) وما من شأن ذلك أن يزعزع الإيمان بمشروع الإتحاد. الخطاب كذلك استهدف جس النبض قبيّل لقاء جنيف في ديسمبر المقبل حول الصحراء الغربية، وحمل رسالة لموريتانيا من أجل تحييدها التام والظهور بمظهر المتوافق مع رؤية وزير الخارجية الموريتاني الجديد اسماعيل ولد الشيخ أحمد حول مستقبل المنطقة والتي قد يكون طرحها في زيارته الأخيرة للرباط.

كيف سيكون الرد الجزائري

المسلم به، أن الجزائر فقدت الثقة تماما في النظام المغربي، ولا يبدو أن خطاب الملك يغريها لتعتقد بغير ما تعتقده تجاهه من ريبة وحذر، فالمتغيرات التي حدثت لاسيما عقب الربيع العربي جعلت الجزائر تتمسك بموقفها التقليدي حيال قضية الصحراء الغربية وتكثف من دعمها للجبهة، ولايعني هذا أنها تعتقد بامكانية أن تحسم البوليساريو القضية لصالحها على الأقل على المدى القصير وإنما لتحافظ على ورقة تشهرها في وجه أي تحرك مغربي يقلقها، فمن المنظور الجزائري يبقى حل القضية لصالح البوليساريو أمرا بعيدا المنال وهي كذلك تراهن على الوقت بتوتر ريثما يحدث تغير كبير في النظام الدولي والساحة العالمية قد يقلب موازين القوى، خصوصا و أنها من أشد المرافعين عن دمقرطة منظمة الأمم المتحدة وإصلاح مجلس الأمن ليتيح تمثيلا أوسعا وأكثر تأثيرا لإفريقيا على خطى مخرجات “توافق أزوليني”

لكن هل يمكن أن يحدث التطبيع على أساس من الريبة والحذر الشديد؟

يبدو أن التاريخ جعل القيادة الجزائرية تعتقد بأن التطبيع والتعاون مرحلة أخيرة ينبغي أن تأتي كنتيجة لمرحلة إذابة جليد الشك وبناء الثقة، وأن المسؤولية هنا تقع على عاتق المغرب ليعطي مؤشرات ايجابية لجيرانه المتوجسين من “اندفاعيته التوسعية” على شاكلة ما قامت به اليابان عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. وهو أمر يصعب توقع حدوثه على الأقل في ظل حكم الملك الحالي محمد السادس والذي اعتلى العرش في نهايات التسعينيات بأحلام مشدودة إلى خريطة علال الفاسي الاستقلالي في خمسينيات القرن المنقضي، وقد حاول فعلا جسّ نبض قابلية أحلامه للتحقق في أزمة جزيرة ليلى مع اسبانيا سنة 2002.

قد تتجاهل الجزائر بطريقة وبأخرى دعوة الملك المغربي ومبررها في ذلك أن الدعوة جاءت في سياق خطاب احتفالي بذكرى تدينها بشدة ولم تأت في سياق خطابات عيد العرش أو أحداث أخرى، وبالتالي فإن المنتظر للدعوة والمعني بالحديث هي جبهة البوليساريو وليست هي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد