مضى أكثر من 16 عامًا على انتهاء حقبة النظام الديكتاتوري، وتفاؤل الشعب العراقي خيرًا بما سيأتي، لاسيما أن الشعب أذاق مرارة ما بعهدها مرارة إبان العهد الصدامي، لكنه تفاجأ، وصارت أحلام بدء عهد جديد ينعم خلاله بالأمن والاستقرار والرفاهية والحياة السعيدة مجرد أوهام، فعاش العراقيون على أمل التغير والعيش كسائر بلدان العالم في بلد تتوفر فيه أبسط مقومات الحياة لا غير.

في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أتت اللحظة التي قرر فيها الشعب العراقي أن ينهض من سباته، ويكسر القيود التي أحاطت به خلال سنوات، ليتدفق آلاف المحتجين إلى ساحة التحرير (وسط العاصمة بغداد)، للتعبير عن غضبهم من الطبقة السياسية الحاكمة التي عاثت في الأرض فسادًا. لتقف موجة الاحتجاجات أيامًا قبل أن تعاود شرارتها في الخامس والعشرين من الشهر ذاته، حيث مطالب المحتجين لم تعد تقتصر على تحسين الخدمات العامة، وتوفير فرص عمل، ومكافحة الفساد، بل ارتفع سقفها إلى ما هو أبعد من ذلك متمثلة في تحويل النظام البرلماني إلى رئاسي، وإلغاء مفوضية الانتخابات، وحل مجالس المحافظات، ومطالب أخرى.

التظاهرات في بغداد والمحافظات الأخرى في وسط وجنوب البلاد، شهدت استشهاد وإصابة آلاف الأشخاص من المتظاهرين والقوات الأمنية، حيث قالت المفوضية العراقية لحقوق الإنسان، إن «حصيلة ضحايا التظاهرات التي شهدها العراق خلال الأيام الماضية بلغت 100 قتيل و5 آلاف و500 جريح من المتظاهرين والقوات الأمنية منذ استئناف الموجة الثانية من الاحتجاجات المناهضة للحكومة».

رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أطلق حزمة كبيرة من الإصلاحات، كما أعلن البرلمان (برئاسة محمد الحلبوسي) مجموعة من القرارات، كل ذلك لم يسهم ولو قليلًا في أطفاء غضب الشارع العراقي الذي مل وكل من قراراتهم التي لم تنفذ على أرض الواقع.

لتبدأ بعدها حرب الرسائل بين رئيس الوزراء وزعامات سياسية، فمقتدى الصدر زعيم كتلة «سائرون» (أكبر كتلة في البرلمان العراقي)، طالب عبد المهدي بتقديم استقالته، والعمل على إجراء انتخابات مبكرة بإشراف أممي، وبمدة قانونية غير طويلة، وتغيير مفوضية الانتخابات وقانونها وعرضه على الشعب، وبدون مشاركة الاحزاب الحالية إلا من ارتضاه الشعب، ليرد بعدها عبد المهدي على ما تقدم به الصدر، قائلًا: «إذا كان هدف الانتخابات تغيير الحكومة فهناك طريق أكثر اختصارًا، وهو أن يتفق سماحتكم مع الأخ هادي العامري (زعيم تحالف الفتح) لتشكيل حكومة جديدة، وعندها يستطيع رئيس مجلس الوزراء تقديم استقالته واستلام الحكومة الجديدة مهامها خلال أيام إن لم نقل ساعات من تحقق هذا الاتفاق». ليرد زعيم التيار الصدري: «كنت أظن أن مطالبتك بالانتخابات المبكرة فيها حفظ لكرامتك.. أما إذا رفضت فإنني أدعو الأخ هادي العامري للتعاون من أجل سحب الثقة عنك فورًا». فجاء دور العامري ليعلن تعاونه مع مقتدى الصدر بما تقتضيه المصلحة العامة.

لم تنتهِ حرب الرسائل بعد، فعاد الصدر مغردًا في موقع «تويتر»: «أولًا: عدم استقالة عبد المهدي لن تحقن الدماء، ثانيًا: ان عدم استقالته ستجعل من العراق سوريا، واليمن، ثالثًا: لن أشارك في تحالفات معكم بعد اليوم».

ومنذ بداية الحراك، يرفض المتظاهرون أي محاولة لركوب الموجة سياسيًا، والإبقاء على طابعها الشعبي المطلبي وصولًا إلى تغيير الدستور وكل الطبقة الحاكمة المحتكرة للمناصب منذ سقوط النظام السابق.

أخيرًا هناك أسئلة تدور في الأذهان، ترى هل سيقدم عبد المهدي استقالته، أم سيكون له رأي مغاير؟ وإلى ماذا ستؤول إليه الأوضاع في مرحلة ما بعد الاستقالة؟ هل تم الاتفاق على بديل؟ ننتظر لعل الأيام المقبلة تحمل في طياتها الإجابات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد