لِفهمِ ما يحدثُ في مصر يجب دراسة أحوال مصر السياسية عام 1950 – 1952، كانت مفاوضات الجلاء مع بريطانيا قد وصلتْ إلى طريقٍ مسدود، حيث كانت بريطانيا تريدُ الجلاء عن مصر بشرط فصل السودان عنها، ووجود قوات بريطانية صغيرة في منطقة قناة السويس، ورفض حزبُ الوفد بزعامة مصطفى النحاس باشا هذه المطالب، وقال كلمتَه الخالدة : تُقطع يدي ولا يُقطع السودان – طبعًا جاءت أمريكا بجمال عبد الناصر وعساكره الذين قطعوا يده وقطعوا السودان – توجه النحاسُ إلى مجلس النواب والشيوخ ليتلو عليهم خطابه التاريخي حيث قال «من أجل مصر وقعتُ معاهدة 1936، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها.

بدأ الشعب الكفاح المسلح ضد القوات البريطانية في منطقة القنال، وتشكلت كتائب الفدائيين في القاهرة والإسماعيلية وبورسعيد والسويس، وبدأ الفدائيون يسددون أقسى الضربات العسكرية للقوات البريطانية، وتأزم الموقف بمذبحة البوليس في مدينة الإسماعيلية، حيث أمرت بريطانيا قوات البوليس المصري بإخلاء دار المحافظة بالإسماعيلية، وأمر وزيرُ الداخلية المصري فؤاد سراج الدين هذه القوات بالمقاومة وعدم الاستسلام، ودارت معركة بين قوات البوليس المصري والقوات البريطانية أدت إلى استشهاد حوالي ثمانين فردًا من أفراد البوليس في 25 يناير (كانون الثاني) 1952، وتمّ اتخاذ هذا اليوم عيدًا للشرطة المصرية، وفي 26 يناير 1952 كان حريق القاهرة.

كانت البلاد تغلي والأجواء تنذر بثورة شعبية حقيقية، قد ينتج عنها قيام حكومة وطنية، وتحرر الشعب المصري من عبودية النظام العالمي، فجاء انقلاب يوليو (تموز) 1952 ليحتوي الغضبة الشعبية، ويمتصها، ويلتف حولها، ويخدع الجماهير الغاضبة بتحقيق الأماني الوطنية.

كان انقلاب يوليو 1952 هو الثورة المضادة قبل حدوث الثورة الحقيقية، كما كان انقلاب يوليو 2013 هو الثورة المضادة بعد حدوث الثورة الحقيقية.

كانت أمريكا تعاني من احتواء الثورة الشعبية في إيران بقيادة د. محمد مصدق رئيس الحكومة الإيرانية آنذاك، الذي أمم البترول الإيراني، وحافظ على حقوق ومصالح الشعب الإيراني، وعطّل مصالح الغرب ومشاريعه في إيران، وشرع في سلسلة واسعة من الإصلاحات الاجتماعية، وفي الأول من مايو (أيار) 1951 قام محمد مصدق بتأميم شركة النفط الأنجلو إيرانية ومصادرة أموالها، حيث كانت شركة النفط الأنجلو إيرانية ذراع الحكومة البريطانية والغرب للتحكم في نفط وخيرات إيران.

في مارس (أذار) 1953، أصدر وزير الخارجية جون فوستر دولَس توجيهاته لوكالة المخابرات المركزية، بوضع خطط لإسقاط مصدق، سرعان ما بدأ مكتب المخابرات المركزية في طهران إطلاق حملة دعاية ضد مصدق. وأخيرًا وقع الانقلاب يوم التاسع عشر من أغسطس (آب) عام 1953 بقيادة الجنرال فضل الله زاهدي.

خافت أمريكا أن تتمخض الأحداث عن ظهور مصدق آخر في مصر، ولذلك عاجلت الحراك بثورة مضادة تجهض الثورة الحقيقية التي ما زالت في طور التكون والتشكل.

فماذا يحدث في مصر الآن؟

نحن الآن 2019 على مشارف ثورة حقيقية في مصر، وعلى أبواب تحرر وطني اقترب أوانه وبانت علاماته، وأصبحت مصر كبرميلٍ من بارود الغضب ينتظر من يُشعله. ولذلك تبادر أمريكا بالثورة المضادة قبل حدوث الثورة الحقيقية. ويمكننا تلخيص الموقف في النقاط التالية:

1 – الصراع بين الأجهزة الأمنية بدأ منذ انقلاب 1952، وليس منذ انقلاب 2013.

2 – لدينا الآن جناحٌ كلّ حسناته أنه يرفض إدارة السيسي، وأمريكا التي تراقب المشهد أكثر منا – لإجهاض الثورة الحقيقية القادمة قبل تكوينها – تخلت عن السيسي الذي أصبح الحفاظ عليه باهظ التكاليف.

3 – دعوة الناس للمشاركة أشبه بفرعين النور في عُرس، وقد يتم الفرحُ بدون فرعين النور، ولذلك كل ما طلبه الفنان محمد علي في البداية أن نخرج أمام بيوتنا فقط، بل لا داعي حتى للهتاف ضد السيسي، بل مجرد وقفة أمام البيوت، يعني من الممكن أيضًا أن تقف في البلكونة!

4 – هناك اتفاق غير مكتوب بين الجماهير وبين من يقف خلف الفنان محمد علي مفاده: نعم نعلم أنها لعبة مخابراتية، وموافقون على المشاركة فيها، وسنعطيكم الغطاء الشعبي الذي تريدون، بشرط تحسين الأوضاع المعيشية.

5 – ليس هناك اتفاق واضح على خروج كل المعتقلين، ولذلك قد يرفض الرئيس القادم خروج الكثير منهم بحجة احترام أحكام القضاء، وأن البعض متورط في أعمال إرهابية!
تكمن الخطورة حين تشارك الناس بلا ضمانات حقيقية لتنفيذ الاتفاق غير المكتوب، والحل أن تتكون لجنة من القيادات الشعبية والحزبية تلتقي مع من يقف وراء الفنان محمد علي لتعقد معه اتفاقًا محدد الشروط واضح البنود موثق الضمانات. حينها نستطيع تحقيق جزء من المطالب الوطنية بدلًا عن تقديم خدماتنا بالمجان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

الثورة المصرية
شارك 9
الربيع العربي
منذ يومين
الفن والسياسة
الربيع العربي
منذ أسبوع