بعد أسبوع من التظاهرات السلمية الوطنية، التي راح ضحيتها عشرات الأشخاص وآلاف الجرحى، خرجت الرئاسات الثلاث العراقية، المتمثلة في رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، ورئيس الجمهورية برهم صالح، لتقول للمتظاهرين الذين خرجوا في بداية شهر (أكتوبر) تشرين الأول 2019 للمطالبة بحقوقهم المشروعة في الدستور، نعدكم بإصلاحات حقيقية في جميع القطاعات، وفتح باب التعيين، وتحسين الخدمات العامة والخاصة، والاهتمام بالطبقات الفقيرة، والعمل على إصلاح الوضع الحالي، لكن الأمر الواضح والمكشوف هو أن في كل مرة، وفي كل تظاهرة تعد الحكومة العراقية الوعود الكاذبة نفسها؛ لتخدير المجتمع العراقي، وإعادة الحياة لطبيعتها، وهذا ما لا يفهمه الشارع العراقي.

إحصائية التظاهرات

تبين أن التظاهرات حدثت في عشر محافظات عراقية مختلفة، وخلفت الكثير من الخسائر البشرية والمادية؛ إذ سقط أكثر 100 شخص، و6 آلاف جريح، واعتقال 923 شخصًا خلال الأيام القليلة الماضية التي شهدتها مناطق عدة في البلاد، وأضرم المتظاهرون النار في 51 مبنى تابعًا للجهات الرسمية الحكومية، وثمانية مقرات لأحزاب سياسية، وخسارة نصف مليار دولار من جراء قطع خدمة الإنترنت في البلاد (عدا المحافظات الشمالية)، وحرق سيارات تابعة للشرطة العراقية، وحرق مطاعم ومحلات خاصة، بالإضافة إلى حرق فوج مكافحة الشغب الذي قمع الشعب بصورة وحشية خلال التظاهرات في ساحات المحتجين، وخاصة في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، وكذلك تعطيل الدوام الرسمي في الدوائر الرسمية، إضافة إلى الفوضى العارمة في جميع البلاد.

خطابات الرئاسات الثلاث

في بداية الأمر خرج رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في خطاب أشبه بخطاب سخرية، الذي زاد من الأوضاع السيئة سوءًا، وعلق عليه الكثير من الخبراء والمراقبين بأنه خطاب مؤسف، ليقول لا توجد حلول سحرية، وتجاهل الضحايا الذين سقطوا في ساحات التظاهرات، إذن كيف لا توجد حلول سحرية، وأنت رئيس الوزراء؟ كيف لا توجد حلول وأنت الشخص الأول في البلد؟ أليس أنت الوحيد القادر على الضرب بيد من حديد وإزاحة الفساد؟ أيعقل هذا؟ لكن الأمر الذي أدى إلى إخراج عبد المهدي من مأزق الخطاب، هو المؤتمر الصحفي لرئيس مجلس البرلمان محمد الحلبوسي، الذي دعا ممثلي التظاهرات للحضور إلى مقر المجلس للاستماع إلى مطالبهم وتلبيتها، وحدث ذلك في اليوم التالي، لكن الأمر المخزي هو أنه حتى الآن لا توجد أي حلول ملموسة وحقيقية. أما رئيس الجمهورية برهم صالح، الذي كان الغائب الحاضر، الذي قال «لا شرعية لأي نظام سياسي لا يحقق تطلعات العراقيين في وطن كريم»، أليس هذا القول هو النقيض لنفسه؟ وألست أنت جزءًا من النظام السياسي للبلد؟ وأين تطلعات العراقيين؟ إذن لا شرعية للنظام السياسي في العراق.

الوضع الحالي يقول إن جميع فئات المجتمع العراقي صدقوا الخدع والأكاذيب، التي أطلقتها الرئاسات الثلاث التي أعادت الحياة إلى مجاريها بعد التظاهرات الوطنية السليمة الحاشدة، وخرجوا للدوائر الحكومية الرسمية للمطالبة بفرص عمل والارتقاء بالأوضاع الحالية، وذهب جميع العاطلين عن العمل إلى تسجيل أسمائهم في سجلات العاطلين، وذهب أصحاب الشهادات العليا «الماجستير والدكتوراه» إلى الوزارات المعنية للمطالبة بتوفير درجات وظيفية لهم، بعد عناء طويل مع السنوات الدراسية التي عاشوها، وحفظ كرامتهم ومكافأتهم على ما وصلوا إليه من تقدم علمي وأكاديمي تفتخر جميع شعوب العالم بهم، لكن جميع المجربات والوقائع والدلائل تشير إلى أن الوضع الحالي لن يتغير، وسيبقى الشعب العراقي يعاني من الحرمان، والفقر، والفساد الحكومي، وعدم وجود المؤهلات المعيشية «سكن، وماء، وكهرباء، وفرص عمل».

إذن نجد أن الحكومة العراقية أمام مأزق حقيقي وخطير، وهو أن الشعب العراقي سيكشف حقيقتهم، وكذب وعودهم وآمالهم، وخدعهم المستمرة التي أعطوها إلى المتظاهرين في السابق، وسيخرج الشعب بجميع طوائفه بتظاهرات وطنية سلمية ستحرق الأخضر واليابس، وستسقط النظام الحالي في البلاد، شاءت أم أبت الحكومة، وستخلف المئات من الضحايا وآلاف الجرحى الأبرياء، وستدخل الجهات التخريبية لتحرف المسار الصحيح للتظاهرات، وتدمر المؤسسات والدوائر الحكومية، وستحاول إدخال المتظاهرين في صدامات مباشرة مع القوات الأمنية، كما حدث في التظاهرات السابقة، لكن سينتصر الشعب العراقي المظلوم على جميع العوائق، ويعيد الحقوق المسلوبة منه، بالإضافة إلى إعادة المؤهلات المعيشية المكفولة له في الدستور العراقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد