بعد 18 سنة من الحرب الوحشية والحرمان والفساد وتردي الخدمات العامة والبطالة وعدم وجود المؤهلات المعيشية من سكن، وماء، وكهرباء، وفرص عمل، ثار الشعب العراقي بوجه أصحاب السلطة والحاكمين الظالمين وخرج بتظاهرات وطنية سلمية شعبية غير تابعة لجهة معينة أو حزب، اجتاحت جميع مناطق العاصمة بغداد، والمحافظات العراقية؛ لتطالب بإسقاط النظام بعد انتشار الفقر والجوع في أغلب فئات المجتمع وتعتبر للمرة الأولى التي يخرج بها الشعب العراقي بتظاهرات مستقلة لا يترأسها قائد، والتي راح ضحيتها عشرات الشهداء وآلاف الجرحى من المتظاهرين والقوات الأمنية.

عاش العراقيون حياة يرثى لها في العقود السابقة والحالية فإن زمن الدكتاتور المقبور صدام حسين عانى الشعب من ظلم وحروب متكررة خاضها مع إيران والكويت والولايات المتحدة الامريكية وإعدامات قسرية وحرمان الناس من ممارسة طقوسهم الدينية وخلف الآلاف من الشهداء الشباب التي لم تزل صورهم معلقة في بيوتهم، والكثير المعاقون إثر الحروب التي خاضها بالإضافة إلى مراقبة رجال البعث والأمن الصدامي والعقود الحالية، فقد عاش الناس في حياة أشبه بحياة الجياع حيث حرمتهم الحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 من أبسط حقوقهم المشروعة في الدستور العراقي (فرص عمل، وسكن، وماء، وكهرباء، وأمان)، بالإضافة إلى الحروب التي خاضها الشباب والشيوخ ضد الجماعات التكفيرية المتمثلة بتنظيم (داعش) الإرهابي و(القاعدة)، بالإضافة إلى انتشار الفساد المالي والإداري للكثير من الأحزاب والقوى السياسية، وإهمال المناطق الاثرية والسياحية البارزة.

قمع الشعب!

خرج المتظاهرين في ساحات التحرير في اليوم الأول من التظاهرات السلمية 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 مطالبين بحقوقهم المشروعة، ورفعوا العلم العراقي عاليًا، لكن ما حصل كان صدمة لكل الأطراف؛ حيث قامت بعض الأجهزة الأمنية، وبالخصوص «قوات مكافحة الشغب» بتفريق وقمع المتظاهرين باستخدام الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع والسامة أيضًا، كما تم استخدام مضخات المياه القوية، وأيضًا شهدت البلاد انقطاع تام لخدمة الإنترنت في جميع المحافظات العراقية (عدا الشمالية)، الأمر الذي أدى إلى موجة غضب شديدة من جميع الأطراف المراقبة للأحداث، أولها المرجعية الدينية العليا في النجف الاشرف والأمم المتحدة والشعب العراقي نفسه الذي زاد من عزيمته في اسقاط النظام الحالي كذلك السيد مقتدى الصدر الذي دعا إلى استقالة الحكومة، بالإضافة إلى المراقبين والخبراء.

المندسون (الجهات التخريبية)

تبين للسلطات العراقية والعالم أجمع أن الشعب العراقي خرج بتظاهرات سلمية وطنية بحتة لكن عملت جهات تخريبية خارجية وداخلية أيضًا على إخراج التظاهرات من مسارها الصحيح من خلال قتل المتظاهرين والقوات الأمنية وإسكات جميع القنوات التلفزيونية التي تؤيد التظاهرات وتأجيج الأوضاع الحالية، وإدخال العراق في متاهات وأنفاق مظلمة، بالإضافة إلى حرق المباني الحكومية والدوائر الرسمية، كذلك خلط الأوراق وبعثرت السياسة الداخلية للبلد وإدخال المتظاهرين والقوات الأمنية في صدامات مباشرة، الأمر الذي حير الجميع، والكل تساءل: من المخربون؟ وماذا يريدون؟ وما غايتهم من الأعمال التخريبية؟

خطاب المرجعية

بعد أربعة أيام من التظاهرات خرجت المرجعية العليا في النجف الأشرف المتمثلة بالسيد علي السيستاني في خطبة الجمعة التي ألقاها السيد أحمد الصافي ممثل المرجعية لتحمل الرئاسات الثلاث مسؤولية ما يحصل وترفض وتدين الاعتداءات على المتظاهرين والقوات الأمنية، بالإضافة إلى إعطاء مجموعة نصائح للحكومة العراقية لحل الأزمة الحالية لكن الامر المؤسف هو كشف المرجعية أنها في عام 2015 أعطت عدة نصائح للحكومة السابقة التي لم تأخذ بتلك النصائح، الأمر الذي أثار غضب المرجعية، ويمكن القول هنا إن المرجعية لم تكن على المستوى المطلوب في خطبتها الأخير، ولم تعط حلولًا جذرية لحل الأزمات الراهنة، كما أعطت عندما دخل تنظيم (داعش) الإرهابي فتوى الجهاد الكفائي، والأمر الواضح أن الفساد لا يقل أهمية عن الإرهاب.

وعود الرئاسات الثلاث إلى الشعب!

تعود العراق بعد كل تظاهرات حاشدة تخرج السلطة الحاكمة وتعطي أشبه بالمخدر إلى الشعب العراقي وتعدهم بتحسين الظروف المعيشية وتحسين الخدمات وتوفير فرص عمل والارتقاء بالقطاع الاقتصادي والصناعي والزراعي والتعليمي والسياحي، بالإضافة إلى القطاعات العامة والخاصة والاهتمام بسلم الرواتب والمتقاعدين، لكن كل هذا الوعود والأحلام كاذبة، وزاد الوضع سوءًا وكثر الفقر والجهل والجوع والفساد بكل أشكاله واليوم انكشف للشعب العراقي كامل الحقيقة لهذا ثار العراقيون بوجه السلطة الحاكمة الفاسدة.

نجد أن على الرئاسات الثلاث الكف عن نهب ثروات العراق وشعبه المظلوم والعمل على تصحيح المسار والعمل على إعادة الثقة بين الشعب والحكومة والطبقة السياسة وتحسين الخدمات العامة والخاصة وتقليل البطالة وحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء أزمة الكهرباء والسكن والماء وإدخال شركات استثمار عملاقة وإعمار البنى التحتية من المدن المدمرة والدوائر والمدارس والعمل الجاد لبناء نظام صحي جديد والتركيز على السياحة والزراعة والصناعة المحلية وحماية المنتج المحلي والارتقاء بمستوى التعليم، بالإضافة إلى عدم السماح للدول والجهات الداخلية بالتدخل بشؤون البلاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد