منذ ما يزيد على 5 قرون وضع ميكيافيلي جملة من القواعد السياسية للطامحين في إرساء سلطتهم المطلقة، حيث أشار أن على الحاكم أن يكون مرهوب الجانب، على أن يكون محبوبًا، وإذا تطلب الأمر، فعليه أن يكون شديدًا تجاه معارضيه إذا لم يكن كليهما في الآن ذاته.

وعلى خطى ميكيافيلي يسير أمير شاب استطاع في الآونة الأخيرة أن يفرض نفسه كرجل المملكة القوي، وأن يتصدر الواجهة السياسية بفضل نهجه عقيدة سياسية أساسها الحزم والرهبة والاستبداد، وجد فيها وسيلة فعالة لارتقاء السلطة واحتكارها في بلد سلطوي تنتفي فيه المبادئ السياسية الحديثة، كفصل السلطات، وسيادة القوانين، وتغيب فيه تنظيمات واضحة لتداول السلطة؛ حيث يصير منطق الصدام هو السائد.

وفي بلد محوري في المنطقة يثير هذا الصعود المفاجئ لشاب في مقتبل العمر بصلاحيات مطلقة الكثير من الأسئلة حول سياق هذه التطورات وانتكاسات ذلك محليًا وعلى المنطقة.

سياق صعود محمد بن سلمان

تشكل المملكة العربية السعودية أحد أبرز الملكيات المطلقة في العالم، بتقاليد سياسية مميزة يطبعها تركيز شديد للسلطة في يد الفرد الحاكم وعدم وجود مؤسسات وتشريعات واضحة المعالم حول كيفية تولي الحكم وشروطه، وبالنظر لتعدد المرشحين المحتملين لتعويض فراغ السلطة يصير التنافس حول رئاسة الدولة أمرًا محتمل الحدوث.

منذ وصول الملك سلمان بن عبد العزيز للعرش، خلفًا لأخيه الراحل الملك عبد الله، شهدت السعودية العديد من التطورات، مثلت انقلابا واضحًا على ثوابت ظلت سمة مألوفة طيلة عقود، ومن أهمها انتقال الحكم من أبناء الملك المؤسس عبد العزيز إلى جيل الأحفاد، مع تعيين الأمير محمد بن نايف وليًا للعهد، واختيار الأمير محمد بن سلمان وليًا لولي العهد في خطوة غير مسبوقة بحكم أنه ظل بعيدًا عن الأضواء، ولوجود مرشحين محتملين أكثر كفاءة ونضجًا وتمرسًا على العمل السياسي بحكم الوظائف والمناصب التي تقلدوها.

وفي خطوة غير معهودة أعلن الديوان الملكي عن تنازل ولي للعهد محمد بن نايف عن منصبه لصالح الأمير الشاب محمد بن سلمان،حيث تم تبرير ذلك، حسب نفس البلاغ، بكونه نابعًا من الرغبة في الحفاظ على مصالح البلاد العليا، خاصة مع تردد الشائعات عن تردي وضعه الصحي، وعجزه عن القيام بمهامه، ومن جهة أخرى فسر ذلك بالصراع المحتدم حول السلطة بين المحمدين، وأن ما جرى لا يعدو أن يكون انقلابًا ناعمًا.

وما يدعم هذا الرأي جملة القرارت والأوامر الملكية التي وسعت من صلاحيات ولي ولي العهد آنذاك محمد بن سلمان على حساب محمد بن نايف بعد تجريده من صلاحيات واسعة، أهمها فصل النيابة العامة عن الداخلية، وهو ما أكد على وجود نية لحسم  الصراع لصالح سلمان وابنه على السلطة، ختمت بسيطرة شبه تامة من خلال مراسيم ملكية على أهم مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والسياسية والدينية والإعلامية.

دلالات الصعود السياسي لابن سلمان

شكل صعود محمد بن سلمان حدثًا مفاجئًا لكل المحللين، خاصة أنه ظل بعيدًا عن الأضواء، ولم يسبق له أن تقلد أي منصب، وصغر سنه، في بلد ظل إلى حدود الوقت القريب يسيره ساسة في خريف العمر، فمنذ تبوأ والده عرش المملكة، بدأ نجمه في الظهور بشكل سريع وغير مسبوق، بصلاحيات مطلقة ومساحة واسعة من الحرية في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية.

ولعل هذا الصعود المفاجئ والمتسارع يطرح جملة من الافتراضات يمكن أن تفسر ذلك، وتتمثل في اتجاهين: الأول أن ذلك تم بطريقة مدبرة ومخطط لها سلفًا في انتظار سياقات مناسبة لإنجاح هذه التحولات، بينما الاتجاه الثاني يشير إلى أن المسألة برمتها لا تعدو مصادفة، وأن الظروف الداخلية والخارجية حالفت الملك سلمان ونجله.

ولأن أي تحليل يقتضي عرض القرائن والبراهين، فلا يمكن تصور أن مسألة نجاح ابن سلمان في الوصول إلى منصب ولاية العهد، وتمكنه من إزاحة منافسيه يمكن أن ترتهن إلى الصدفة المحضة، حيث تشير الأحداث السريعة والمتقاربة على وجود دعم غربي واضح يؤكده التقارب الواضح مع الولايات المتحدة في العديد من القضايا والملفات الإقليمية خاصة العداء المشترك لإيران.

كما أن حجم القرارات والأوامر وتدعياتها المزلزلة لكل التوابث التي درجت عليها المملكة طيلة عقود، يكشف دقة التخطيط القبلي بترتيبات واضحة بدأت بتعيينه كوزير للدفاع، ثم بعد ذلك تنصيبه كولي لولي العهد يصلاحيات واسعة وكلها تصب في اتجاه واحد هو تدعيم سلطة ولي العهد كرجل المملكة القوي وإزاحة أية منافسة محتملة داخل العائلة الحاكمة، وجدت أرضية مناسبة للنمو تحت مظلة والده، الذي بات يدعمه بشكل يبدو وكأنه ملك في الواجهة فقط بشكل يعيد للأذهان قصة الملك خالد ووليه عهده فهد الذي كلف بممارسة صلاحياته إلى غاية تعيينه كملك.

استطاع الأمير الشاب في ظرف قصير نسبيًا على أن يعزز مكانته وتسويق نفسه للغرب كقائد مستقبلي حازم، وبنهج اندفاعي في ملفات خارجية أنهى بها عهد الديبلوماسية الحذرة  فمن حرب اليمن الاندفاعية بداعي حماية خاصرة المملكة من خطر التمدد الإيراني ممثلًا في استيلاء الحوثيين في السلطة والحصار الذي تشنه المملكة على قطر والتلويح باستخدام القوة العسكرية ضد حزب الله في لبنان بداعي تورطه في دعم الحوثيين في اليمن تشير بوضوح على نزعة متهورة قد ترتد سلبًا على أمن واستقرار المملكة.

ولإنجاح مساعيه الجادة في صراعه على السلطة جاء إقرار مشروعاته ذات الطابع الاجتماعي مستهدفًا بذلك ترسيخ شعبيته لدى فئات هامة من المجتمع كالمرأة والشباب كأطراف يمكن كسبها، عبر إقرار  رؤية 2030 التي تنص على تقليص الاعتماد على البترول وتنويع العائدات مرورًا بمنح المرأة حق قيادة السيارات وإنشاء هيئة الترفيه وتقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والحملة الأخيرة على رجالات النظام السابق ممثلة في اعتقال العديد من الأمراء ورجال أعمال بذريعة تورطهم في صفقات مشبوهة ونهب للمال العام.

وفي بلد اشتهر على الدوام بنزعته المحافظة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والدينية، تبين حجم الأحداث الأخيرة على أننا نشهد بزوغ مملكة جديدة رابعة بملامح تشكل قطيعة مع الماضي خاصة الاتجاه المتزايد نحو تحجيم السلطة الدينية مع اعتقال العشرات من علماء ما يعرف بتيار الصحوة في رسالة واضحة على أنه لمجال للمعارضة السلطة حتى للمؤسسة الدينية التي أرست شرعية النظام الملكي السعودي منذ تأسيسه، وذلك للتملص من شبهة التشدد ودعم التطرف الديني المتهمة بها خارجيًا.

إن هذه التطورات السريعة التي تشهدها السعودية في عهد سلمان ونجله سيترتب عنها لا محالة عدة انعكاسات ستشمل كل المنطقة، حيث بدأت دوائر القرار في الغرب تبدي تخوفها الشديد من تركز السلطة في يد شاب متهور استطاع أن يزج بلده في العديد من الصراعات الخارجية وأهمها الحملة العدائية على قطر وحرب اليمن التي تحولت من نزهة إلى ورطة ديبلوماسية وكارثة أخلاقية ثم التحريض المتواصل على لبنان، وهو ما يمكن أن نعتبرها مغامرات سياسية لا يمكن التكهن بتداعياتها قد تبقي بالمنطقة في غياهب حروب طائفية ستستنزف المنطقة لعقود قادمة.

ومع احتدام الصراع داخل العائلة الحاكمة حول السلطة واتساع دائرة المعارضة للقرارت الأخيرة تزايد المخاوف من قدرة السعودية على مجابهة هذه التحديات التي تتورط فيها المملكة يومًا بعد يوم، خاصة أن الأنباء تتردد على استعداد الملك سلمان للتخلي عن السلطة لصالح ابنه.

يحدثنا التاريخ على أن الأمراء الذي طبقوا مبادئ ميكيافيلي انتهوا إلى سقوط عروشهم، فهل سينجح ابن سلمان في حسم الرهانات المفروضة، أم سيكون ذلك تدشينًا لمرحلة من الاضطرابات والأزمات؟ أسئلة ستجيب عنها الأيام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد