كانت تسمى.. «فلسطين»

صارت تسمى.. «إسرائيل»

ربما يمتعض كثيرون، ويستهجن آخرون، هذا التحوير في بيت درويش الشهير، لكن ما كان لهذا أن يكون لولا تغيُّر كفتيّ الميزان السياسية والجغرافية فلسطينيًا وإسرائيليًا، ليكون هذا مآل القضية الفلسطينية إذا نفذ الاحتلال قراره بضم الأغوار وأجزاء من الضفة الغربية، وبما أننا في وقتٍ لا يمنع الاحتلال مانع من تطبيق مخططه، فإننا نتساءل: ماذا تبقى من فلسطين التاريخية؟ وماذا نحن فاعلون؟

قرار الضم الإسرائيلي:

ما انفكّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصرح – بمناسبةٍ أو دون مناسبة – عن نية حكومته بعدما اتفق مع وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس على الشروع بمخطط ضم الأغوار، وأجزاء من الضفة الغربية تقدر مساحتها بـ30%، مطلع يوليو (تموز) 2020. ليتحول بهذا قرار الضم من مجرد دعايةٍ في حملة نتنياهو الانتخابية إلى إنجازٍ سياسيٍ آخر يضاف إلى رصيد اليمين الإسرائيلي بعد نجاحه في إعلان صفقة القرن مؤخرًا، وهاويةٍ سحيقة للشعب الفلسطيني وأرضه ومقدراته.

ماذا يعني قرار الضم؟

بعد أن منح اتفاق أوسلو الفلسطينيين بعض الأمل في إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 67، وبعد التزام القيادة الفلسطينية بما نص عليه هذا الاتفاق وتمسكها بالتنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي رغبةً في إظهار موقفها الملتزم بقرارات الشرعية الدولية وإيمانًا منها بخيار: حل الدولتين.. كان الطرف الآخر يفرض وجوده على أرض الواقع وكأنما لا اتفاق موقع بينهم. إذ عمل على زيادة عدد المواقع الإسرائيلية على أرض الضفة الغربية كبؤر استيطانية أو مواقع عسكرية، وحرص على تقديم التسهيلات وتسخير الخدمات للمستوطن الإسرائيلي لتعزيز بقائه على هذه الأرض وجذبًا للمزيد منهم مع تطبيق القوانين الإسرائيلية على هؤلاء السكان كما لو أنهم مواطنون رسميون، في الوقت الذي كان يحرم فيها على صاحب الأرض بناء منشأة، أو منحه تصريح، أو إعطاؤه ترخيصًا، مع تضييقٍ ممنهج على معيشته، وحرمان من أبسط حقوق الحياة لجعله ينفر من المكان أو يضطرهم للهجرة.. يأتي هذا كله مع سيطرةٍ أمنية كاملة للاحتلال الإسرائيلي على مناطق الضفة، فإذا كان اتفاق أوسلو يمنح الاحتلال سيطرة أمنية على مناطق (ب) و(ج)، فإنه لن يجد صعوبة أيضا في دخول مناطق (أ) الخاصة بالسلطة الفلسطينية دون مواجهةٍ تذكر. 

إن هذا الواقع الفعلي المطبق على الأرض وفق قانون القوة، هو جوهر قرار الضم، وما الدعوة للشروع في تنفيذ الضم بالسيطرة على 30% من مساحة الضفة الغربية سوى إضفاءً للشرعية وطلب للاعتراف الرسمي بما يوجد على الأرض بقوة القانون.

وهي بذلك تقوم بوأد الحلم الفلسطيني بقتل مشروعه الوطني في إقامة دولته المستقلة على حدود 67، لتصيب رصاصة الضم الإسرائيلية حل الدولتين في مقتل.

مواقف الدول

ترددٌ أمريكي مُبطَّن بقَبول:

في الوقت الذي يقول فيه وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو أن قرار الضم يعود في نهاية المطاف لإسرائيل، وفي الوقت الذي يعلن فيه نتنياهو عن عدم أخذهم الضوء الأخضر الأمريكي للبدء في مشروع الضم، لا يختلف اثنان عن الانحياز الأمريكي الكامل والمطلق لدولة إسرائيل، لاسيما في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب، وحرصه على تقديم كل ما يمكن تقديمه للمصلحة الإسرائيلية، وكذلك فإن الطرف الإسرائيلي حريص هو الآخر على الاستفادة بأقصى قدرٍ ممكن من فترة وجود الرئيس الأمريكي نظرًا لانسجام مصالحهم وتوافقها معًا. فإذا كان ترمب قد أعلن خطته للسلام متعاملًا مع أرض فلسطين وشعبها كعقار أرض يُباع ويُشترى دون إبداء أي اعتبارٍ لمصير القضية الفلسطينية وبانحيازٍ واضح للاحتلال الإسرائيلي، فإنه لن يلقِ بالًا كبيرًا للسيطرة على مساحة 30% من الأرض، وما التردد الأمريكي المعلن في وسائل الإعلام إلا لمطالبته ببدء التفاوض أولًا مع الجانب الفلسطيني كما نصت بنود صفقة القرن، لحفظ ماء الوجه ربما، ثم الشروع بقرار الضم، فالمسألة لدى الإدارة الأمريكية لا تتجاوز كونها مسألة تقديم وتأخير على تنفيذ نصوص الصفقة، لا مسألة صراع بين حقوق شعب محتل، ودولة احتلال استيطانية استعمارية.

رفضٌ كلاميّ أوروبي:

 أعلن الاتحاد الأوروبي عن موقفه الرافض لقرار الضم الإسرائيلي ومطالبته إسرائيل بعدم اتخاذ خطوات أحادية الجانب، مذكرًا إياها بضرورة الالتزام بمبادئ القانون الدولي وعدم اختراقها، لكن هل تجرؤ دول الاتحاد على تحويل رفضها الكلامي إلى مقاطعة دولة الاحتلال وفرض عقوباتٍ فعلية عليها؟

تطبيعٌ عربي:

 من المؤسف جدًا تناول الموقف العربي تجاه مشروع فرض السيطرة على مساحاتٍ من الضفة الغربية، فالعلاقات العربية – الإسرائيلية هي اليوم في أحسن حالاتها، في ظل تسارع وتزايد موجة التطبيع مع دولة الاحتلال، وعليه فلن تتجاوز مواقف الدول العربية تصريحاتٍ وتهديدات كلامية عاجزة في حقيقة الأمر عن أية مواجهةٍ فعلية لمشروع القرار. هذا إن سمحت أوضاعها الداخلية أو البينية المضطربة أصلًا بالالتفات للقضايا الخاصة بالشأن الفلسطيني.

رفض ٌأردني، وتهديدٌ فلسطيني:

إن استهداف الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية هو استهدافٌ ضمني للمملكة الأردنية، ف عدا عن التداعيات الاقتصادية والسياسية السلبية التي ستلحق بالأردن إذا نفذ القرار، فإن طرح خيار التوطين والبحث عن وطن بديل هو الخطر الأكبر الذي يواجه المملكة الهاشمية، وبالرغم من إصرار الأردن على موقفها الرافض لمشروع الضم حتى الآن فإنه لا يمكن تجاهل الضغوط التي تمارس عليها لحملها على تغيير موقفها.

وعلى الصعيد الفلسطيني، فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد هدد بإلغاء اتفاقية أوسلو والتحلل من التنسيق الأمني، في تهديدٍ مشابه لتصريحاته حين إعلان صفقة القرن، وتحذير السلطة الفلسطينية، وكذلك حركة «حماس»، لدولة الاحتلال من الإقدام على هذا المشروع، إلا أن هذه التصريحات تبقى فارغة المضمون إذا لم تترجم إلى خطة مقاومة عملية فعلية لمواجهة هذا القرار الخطير، وبتوحد من جميع أطياف الشعب الفلسطيني رسميًا وشعبيًا، ليبقى القول كما قاله قائله:

كانت تسمى فلسطين.

صارت تسمى فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

قرار الضم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد