عصر العشرين من يونيو (حزيران)  2020، وقف عبد الفتاح السيسي قائد الانقلاب المشئوم عام 2013 في قاعدة سيدي براني العسكرية بمرسى مطروح مرتديًا جلد النمر ومهددًا ومتوعدًا من سماهم الأطراف الخارجية التي تتدخل في الشأن الليبي بـ«في إشارة ضمنية لتركيا» أن مصر «يقصد نظامه العسكري» تعتبر استيلاء حكومة الوفاق «الحكومة الليبية الشرعية المعترف بها دوليًا» على مدينة سرت وقاعدة الجفرة خطًا أحمرًا يمس أمن مصر القومي، وأن مصر «في إشارة للمؤسسة العسكرية الحاكمة» إذا تدخلت عسكريًا في ليبيا فسيحظى هذا التدخل بالدعم الدولي من الشرعية الدولية.

زاد السيسي من تحديه لليبيين وحكومتهم واستضاف خلال كلمته عددًا ممن أطلق عليهم إعلام النظام الانقلابي زعماء القبائل الليبية لإضفاء الدعم على تدخل السيسي الوقح في شئون بلد جار وقد أدوا الدور المطلوب منهم بإتقان، فدخلوا في حوارات معدة سلفًا مع السيسي حول الدور المصري البناء في إعادة الاستقرار للجار الغربي المضطرب وأعلنوا – وهو الجزء الأهم في مسرحية السيسي المكشوفة – أنهم حال تدخلت القوات المصرية في ليبيا ضد الفصائل الإرهابية المسلحة «في إشارة لجيش حكومة الوفاق» فسيكون هؤلاء في مقدمة القوات المقاتلة كما ورد على لسان السيسي نفسه.

من تابع خطاب السيسي الأخير لا يمكنه فصل توقيته عن حدث آخر أهم للدولة المصرية مما يجري في ليبيا، ألا وهو تحدي إثيوبيا لنظام السيسي حول المدة اللازمة لملء سد النهضة وأن حكومة أبي أحمد ستبدأ بملء خزان السد في يوليو المقبل بالاتفاق مع مصر أو بدونه وذلك بعد فترة من الشد والجذب بين القاهرة وأديس أبابا بدأت منذ أواخر 2019 بعدما اتضح لنظام الثالث من يوليو (تموز) قرب وقوع الكارثة التي وضع مصر فيها بتوقيع السيسي إعلان المبادئ في الخرطوم في مارس (أذار) 2015 أي بعد أقل من عام على وصول السيسي للحكم.

ومع تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والحقوقية في مصر ومع ما سيترتب على تقلص حصة مصر من مياه النيل نتيجة توقيع السيسي الذي لم يعرضه على الشعب في استفتاء، بدأ السيسي يتملص من مسئوليته عن تلك الجريمة في حق الأجيال المصرية الحالية واللاحقة ويلقي باللائمة على ثورة 25 يناير (كانون الثاني) في بناء السد ويبشر المصريين أن محافظات كثيرة لن تشرب مياه النيل بعد الآن والبديل مضمون ومجرب:

مياه الصرف الصحي المعالجة.

لكن ما لم يضعه السيسي في حسبانه هو غضب نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي من تصريحاته وتحميلهم المسئولية له وليس لأحد سواه عن السنوات العجاف التي تنتظر مصر بسببه، لذا بدأ نظام السيسي يتحدث عن مفاوضات جديدة تارة في الخرطوم وتارة في واشنطن، لكن إثيوبيا وجهت صفعة مهينة لرأس النظام المصري بأنها لن تتفاوض على اتفاقية وقع عليها زعيم النظام العسكري بملء إرادته، وهكذا حاول السيسي صرف أنظار شعبه عن جريمته بتكرار ما فعله الطاغية عبد الناصر منذ نحو ستة عقود.

بعدما تسبب الاستبداد الناصري في فشل الوحدة مع سوريا انكفأ عبد الناصر على نفسه لفترة، وما أن لاحت نية عدد من ضباط الجيش اليمني التخلص من الحكم الإمامي في سبتمبر (أيلول) 1962 حتى اقتنص مؤسس نظام 1952 الفرصة لإعادة إنتاج نفسه كزعيم العرب من المحيط إلى الخليج وهكذا شحن عبد الناصر قواته بالتدريج للمستنقع اليمني وعتم إعلام النظام على خسائر القوات المحاربة وصور عبد الناصر على أنه الفاتح الذي يحرر اليمنيين حتى وقعت الكارثة الكبرى في حرب 1967.

يحاول السيسي تلميع صورته وخلق دعم شعبي لنظامه بعدما زادت معدلات الغضب الشعبي من تعامل حكومته مع جائحة كورونا، لكن كل ما يفعله السيسي هو إطالة عمر نظامه لفترة وجيزة قبل السقوط الحتمي تمامًا كما كتبت نهاية أستاذه عبد الناصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أشبه, الليلة
عرض التعليقات
تحميل المزيد