في الرابع من شهر أغسطس (آب) 2020 انفجر مرفأ في بيروت، الانفجار نتج عن عدم الاهتمام بمواد قابلة للانفجار؛ مما أدى إلى انفجار كبير في المرفأ المحتوي على 2700 طن من نيترات الأمونيوم منذ أكثر من سبع سنوات، والذي أسفر عنه موت أكثر من 170 شخصًا، و7 آلاف جريح، و40 شخصًا لم يتم العثور عليهم إلى الآن، بالإضافة إلى تدمير أكثر من 200 ألف مسكن تدميرًا كليًا أو جزئيًا، وتشريد أكثر من 300 ألف مواطن لبناني. بعد الانفجار

بعد إفاقة الشعب اللبناني واستعابهم بما جرى في بيروت، بدأت تنتشر حالة جدل وانقسام بين رواد ومستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بسبب تداول عريضة إلكترونية وقع عليها أكثر من 47 ألفًا من مواطني لبنان على موقع أفاز يطالبون فيها أن توضع لبنان تحت الانتداب الفرنسي لمدة 10 سنوات بكل أسف.

فهل تلك العريضة التي وقع عليها ما يصل إلى 50 ألفًا من المواطنين اللبنانيين؛ ما جعل ماكرون يتجرأ ويقوم بزيارة لبنان أكثر من مرة منذ الانفجار، ويسير في شوارعها، ويعانق المواطنين، ويدخل بيوتهم، ويكرم مواطنين آخرين، منهم وكأنه يتجول في أحد الأحياء الفرنسية؟

وقبل زيارته انتهز ماكرون الفرصة وقام بكتابة تغريدة على حسابه الرسمي باللغة العربيّة موجهة لشعب لبنان: «أعبرُ عن تضامني الأخوي مع اللبنانيين بعد الانفجار الذي تسبب بعدد كبير من الضحايا هذا المساء في بيروت وخلّف أضرارًا جسيمة. إن فرنسا تقف إلى جانب لبنان دائمًا. هناك مساعدات وإسعافات فرنسية يتمّ الآن نقلها إلى لبنان».

ماذا يريد ماكرون من لبنان؟

في أقل من شهر قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بزيارة لبنان مرتين متتاليتين بعد الانفجار الذي دمر بيروت العاصمة اللبنانية، والتقى ماكرون بعدد من الشخصيات السياسيّة كما أجرى مقابلة مع بعض ممثلي حزب الله، وأنهى زيارته بزيارة فيروز في بيتها وقام بتكريمها.

ويدعي ماكرون أنه يريد أن يقوم بتنسيق مساعدات دوليّة وتحقيق انتقال سياسي لحل جميع المشاكل التي تواجهها لبنان في الوقت الحالي بعد وقوع الانفجار وحلول الكثير من الأزمات في البلاد.

وبالرغم من أن تلك المبادرة رحب بها الكثير من الشعب اللبناني، إلا أن هناك الكثيرون أيضًا يرون أن ماكرون يُعزز من النفوذ الفرنسي في لبنان، ويحاول أن يُحسن من صورته أمام الشعب الفرنسي خصوصًا بعد ما انخفضت مستويات شعبيته منذ ظهور أزمة السترات الصفراء في فرنسا فما هو الهدف الأساسي من تلك الزيارات؟

رسالة ماكرون إلى لبنان

في خلال الزيارة الأولى قام ماكرون بتوضيح رسالته الظاهريّة وتحدث بلهجة صارمة مع القيادات السياسيّة، وكشف أيضًا عن نيته في أنه يطالب بتحقيقًا دوليًا لكشف ملابسات واقعة انفجار مرفأ بيروت، وقابلت الطبقة الحاكمة للبنان طلب ماكرون بعدم القبول.

كما أعلن ماكرون أنه يقوم بتنظيم مؤتمرًا دوليًا، وأوضح السفير الفرنسي في أحد المؤتمرات الأخيرة أن الرئيس إيمانويل ماكرون هدفه من تنظيم المؤتمر الدولي بأن يحصل فيه على التمويل من الأوروبيين والأمريكيين والدول المجاورة لدعم لبنان وتوفير الرعاية والطعام ومستلزمات البناء لترميم أبنيّة بيروت.

كما أوضح أن جميع المساعدات والمساندات التي سيتم الاتفاق عليها من الدول السابق ذكرها سيتم في وضوح وبشفافية حتى تصل جميع المساعدات والأدوية إلى الشعب دون أن تمر على الحكومة اللبنانية!

استقبال اللبنانيين للرئيس الفرنسي

وصل الرئيس الفرنسي إلى شارع الجميزة ونزّل من سيارته متفقدًا الشارع الأثري الذي دُمر على إثر انفجار مرفق بيروت، وقابله الشعب اللبناني بالترحيب والهتاف «ساعدونا»، ومرددين «الشعب يريد إسقاط النظام».

والجدير بالذكر أن من وقت وقوع الحادث إلى وقت وصول الرئيس الفرنسي إلى شارع الجميزة الأثري لم ينزل أي مسؤول لبناني إلى شوارع بيروت، بينما يجتهد اللبنانيون لإصلاح ما يمكن إصلاحه في منازلهم ومتاجرهم.

بدأت الهتافات في التزايد، وتجددت الهتافات وبدأ الجمهور اللبناني بالهتاف «ثورة ثورة»، ونزع الرئيس الفرنسي سترته وأبقى على كمامته، وتحدث مع الجمهور الموجود أمامه بلهجة واثقة: «يا صديقي أنا هنا لأقترح عليهم ميثاقًا سياسيًا جديدًا» ووعد أنه سيعود في الأول من سبتمبر (أيلول) لإجراء زيارة ثانية.

وأثناء حديث الرئيس الفرنسي مع الصحافيين قالت إحدى الفتيات اللبنانيات: «لا تضعوا المساعدات والأموال لحكومتنا الفاسدة، فنحن لن نستطيع التحمل أكثر من ذلك» فرد عليها قائلًا: «لا تقلقي».

على المنصات المختلفة لمواقع التواصل الاجتماعي، أشاد الكثيرون بالزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي وتجوله بين الناس، بينما واجه تلك الإشادة الانتقاد من الكثيرين أيضًا واعتبروا أن ماكرون في تلك الزيارة يسعى إلى «البحث عن دور»، وكتب المؤلف المسرحي زياد عيتاني: «بيتي طار في الجميزة، وأول من زار الحي هو رئيس أجنبي.. يا لفضيحتكم!».

بعد ما أثبت ماكرون بالكثير من الرسائل والتغريدات أنه يقف إلى جانب الشعب اللبناني، وأن الشعب اللبناني ليس وحيدًا لدرجة أنه كتب على حسابه الشخصي في أحد تغريداته باللغة العربية «بحبك يا لبنان!» واستطاع بذلك أن يكسب مشاعر اللبنانيين.

فهل ستعود فرنسا لاستعمار لبنان مرة أخرى؟ وكيف للحكومة اللبنانيّة أن تقبل تلك المهزلة، وتسمح لرئيس دولة أخرى أن يتجول في شوارع الدولة كأنه يتجول في بلاده، أم أن لبنان عادت بالفعل للاستعمار الفرنسي ومن الطبيعي أن يفعل بها الفرنسيون ما يشاءون الآن؟

إليكم لمحة بسيطة من بعض كوارث ومجازر الاستعمار الفرنسي في بلاد المسلمين.

• في عام 1917، جمعت القوات الفرنسيّة 400 عالمًا مسلمًا وقطعت رؤوسهم بالسواطير أثناء احتلال تشاد.

• في عام 1852 في مدينة الأغواط الجزائرية أبادت القوات الفرنسيّة ثلثي سكان المدينة في ليلة واحدة حرقًا بالنار.

• في الفترة ما بين 1950 و1960 أجرت القوات الفرنسية أكثر من 15 تجربة نووية في الجزائر أودت بحياة ما يقارب من 100 ألف مواطن جزائري.

• وقت خروج القوات الفرنسيّة من الجزائر قامت بزراعة 11 مليون لغمًا في أماكن متفرقة.

• الفترة التي احتلت فرنسا فيها الجزائر تُقدر بـ137 سنة، في أول سبع سنوات احتلال قامت القوات الفرنسيّة بقتل مليون مسلم جزائري، وفي آخر سبع سنوات قبل رحيلهم من البلاد قاموا بقتل مليون ونصف مسلم جزائري، وتم تقدير مجموع القتلى الجزائريين في فترة الاحتلال بما يقارب 10 مليون مسلم.

• احتلت فرنسا تونس 75 عامًا، واحتلت الجزائر 137 عامًا، والمغرب 44 عامًا، وموريتانيا 66 عامًا، واحتلت مالي قرنًا كاملًا، والسنغال أكثر من 95% من سكانها مسلمون احتلتها فرنسا ثلاثة قرون كاملين.

• حتى في طرق القتل، فإن الجنود الفرنسيين ليسوا أسوياء، بل لديهم حالة من الجنون والشذوذ، ويقومون بالتمثيل بالجثث وقطع رؤوس ضحاياهم والتصوير بها للتباهي.

وبعد كل ذلك يأتي الرئيس الفرنسي ويستطيع أن يكسب مشاعر أحد الشعوب العربيّة بتغريدة، ويطالب أغلبيّة الشعب بإعادة الانتداب والاستعمار الفرنسي في البلاد دون معرفتهم للعواقب التي ستحل عليهم.

ويتحدثون عن فضل فرنسا على البلاد العربيّة، وأن فرنسا ورئيسها بلدة متقدمة وذات حضارة كبيرة وإنسانية عظيمة، فإلى متى ستستمر تلك الكوميديا المأساوية التي حلّت على الشعوب العربيّة، وإلى متى ستستمر عديمة الشرف في إعطاء دروسًا عن الشرف؟

ونريد أن نعلم ما هي النوايا الحقيقية لماكرون في لبنان وشعبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد