في البداية فلنتفق أنه إذا أراد المريض العلاج فليبدأ بالاعتراف بمرضه قبل الذهاب إلى الطبيب، ولكن إذا اعتقد المريض أنه في أتم حال، وأنه لا يعاني من أي مرض فحتمًا هذا المريض لن ينفع معه أي علاج.

في هذا المقال سأتناول عددًا من المشاكل التي واجهت الإخوان التي تغاضى الإخوان عن مواجهتها، وانشغلوا عنها بالمعارك الخاطئة:

«إن أعز ما يملك الإخوان هو ذلك الجندي المجهول، الذى يبذل أقصى ما في جهده، وينفق أكثر ما في جيبه، ويضحي بأحلى أوقاته، فإذا حضر لم يعرف، وإذا غاب لم يفتقد، يتعمد البعد عن الشهرة والأضواء، قليل الكلام كثير العمل، يؤمن أن له ربًا يذكره، في ملأ هو أفضل من الأرض ومن عليها، رب يحب من العمل ما كان خالصًا، يجد ضالته في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثٌ رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة أو كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع».» حسن البنا

في الحقيقة أن المشكلة الكبرى التي واجهت الإخوان ما قبل فض اعتصام رابعة العدوية هو أنهم يؤمنون بأنهم جنود وبذلك تسقط عنهم -من وجهة نظرهم- تبعات قرارتهم ومسؤولياتها، ولكن الحقيقة أن ما يبرع فيه الجندي هو التضحية والفداء والقتال، ومما لا شك فيه أن الإخوان قد أدوا دورهم ببراعة فيما يتعلق بالتضحية والفداء والقتال في المعركة الخاطئة.

فلنتفق أنه ومنذ الانقلاب العسكري أي منذ قرابة أكثر من العامين والنصف أن في فترة ما قبل فض اعتصام رابعة أن العدو الأوحد للنظام والرئيسي في المعركة السياسية في مصر هو الإخوان، وبناء على ما سبق فإن الإخوان قد تصدروا المشهد، وبطبيعة الحال وبحكم الأمر الواقع قادوا المشهد، ومن هنا بدأ أول الأخطاء ألا وهو استنزاف القوى التابعة لهم في المعركة الخاطئة؛ فبدلًا من صب التركيز على تحليل المعركة مع النظام وتحديد الخصوم الحقيقية ووضع خطة حقيقية لمواجهة هذا النظام انزلق الإخوان طواعية إلى مأزق «شرعية مرسي».

جدوى اعتصام رابعة

بالتأكيد نتفق أن الضحايا والمصابين والمعتقلين في اعتصام رابعة هم ضحايا لوحشية النظام، وبالطبع فلا عاقل يمكنه إنكار تضحيتهم، ولكن ما جدوى اعتصام رابعة؟

علينا أن نطرح هذا السؤال لقيادات الإخوان التي اختارته كوسيلة لمواجهة انقلاب عسكري، هل كان خطأ في قراءة الواقع أم كان جزءًا من خطة بعيدة المدى؟ في الواقع للإجابة على هذا السؤال علينا أن ننتقل لمرحلة ما بعد رابعة، فلننظر إلى الملفات التي من المفترض أن الإخوان تبنوها في بياناتهم كوسيلة لمواجهة الانقلاب.

محاصرة الانقلاب دوليًّا

من أكثر الجمل التي تناولها قادة الإخوان في خطاباتهم وحتى في بيانات الجماعة الرسمية وبناءً عليه علينا تعريف حلفاء الإخوان الذين تمت إدارة «المحاصرة الدولية» عن طريقهم:

العلاقة مع قطر

مما لا شك فيه أن قطر لعبت دورًا كبيرًا في دعم الإخوان، كما شكل التقاء المصالح بين قطر والإخوان تحالفـًا نسبيًّا.

ولكن هذه العلاقة قد تم امتحانها في الأزمة القطرية الخليجية وكانت العلاقات بين الإمارات والبحرين والسعودية توترت مع قطر في مارس2014، على خلفية اتهام الدول الثلاث، الدوحة، بعدم تنفيذ اتفاق وقع في الرياض في نوفمبر2014 ينص على «وقف استخدام الأراضي القطرية للقيام بأعمال تسيء للاستقرار في كل من الإمارات والبحرين والسعودية ومصر واليمن ودول أخرى في القارة الأفريقية»، وفيما بعد تمكنت الأطراف من التوصل إلى اتفاق جديد في الرياض لإنهاء الخلاف.

وفي حيثيات هذا الاتفاق طالبت قطر عددًا من قيادات الإخوان المسلمين مغادرة أراضيها.

وقد صرح سمير الوسيمي المتحدث باسم حزب الحرية والعدالة المصري، لبي بي سي في شهر سبتمبر 2014: «إن السلطات القطرية طالبت بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديها بمغادرة أراضيها، خلال مدة زمنية حددتها بأقل من شهر».

وأكد الوسيمي، أن السلطات القطرية لم توضح أسبابًا لذلك لافتًا إلى أنه ربما يكون استجابةً لضغوط إقليمية تعرضت لها الدوحة.

العلاقة مع تركيا

مما لا شك فيه أن العلاقات السياسية بين الدول قد تتغير بين ليلة وضحاها على ضوء المعطيات الدولية الجديدة، ومع بوادر مصالحة قريبة بين تركيا وإسرائيل؛ حيث صرح الناطق باسم الحزب التركي عمر جيليك في مقابلة مع تلفزيون «خبر تورك»: «وصلنا إلى نقطة في المباحثات يمكن عندها التوقيع «على اتفاق»، وبناء على ما سبق فإنه إذا كانت أنقرة على استعداد للمصالحة مع إسرائيل فإن من الأولى بالإخوان التفكير بأنه في ضوء المعطيات الجديدة في الشرق الأوسط» من تنظيم داعش وهجماته على عدد من الدول والمشاكل الداخلية بتركيا بين الأحزاب الكردية والدولة» فإنه يمكن لأنقرة أن تستغني عن دعمها السياسي للإخوان علمًا بأن أنقرة تتعامل مع ضحايا الانقلاب في مصر من المنطلق الإنساني وليس السياسي، كما تتعامل مع ملف اللاجئين مع اختلاف الوضع بالطبع، بناء عليه فأنقرة قد تقدم عددًا من التنازلات في سبيل المصالحة مع نظام السيسي.

العلاقة مع الإخوان في الأقطار الأخرى

في المغرب لا يخفى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في المغرب والحزب الأكبر في الحكومة المغربية، والبرلمان هو وليد حركة الإخوان في المغرب، ولعل الصدمة الكبرى للإخوان في ملف العلاقات الخارجية كان لقاء بنكيران بالسيسي في العام الماضي، وقد صرح بنكيران بأن اللقاء مع السيسي كان «وديًّا تم خلاله التطرق إلى العلاقات بين البلدين، وإلى التطورات في المنطقة العربية، والمواقف الثابتة للبلدين بخصوص كل ما يهم الاستقرار في المنطقة، فضلًا عن ظروف القمة العربية».

ماذا عن إخوان تونس؟

في لقاء من الشيخ عبد الفتاح مورو أحد أهم المفكرين الإسلامين في حركة النهضة والإخوان المسلمين حتى مع إعلانه أنه انفصل «عضويًّا» عن الإخوان المسلمين إلا أنه حتى الآن يعد من أبرز رموز الإخوان في تونس.

وفي لقاء صحفي عندما سأله المحاور: «تداولت أوساط عن مبادرة مشتركة بين الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز والشيخ راشد الغنوشي، لإصلاح (ذات البين) بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والإخوان. ما صحّة ذلك؟».

لا أعلم، ولا أجزم ولا أرفض، ولكن من الممكن أن يكون قد حدث ذلك، وهو ممكنٌ نظريًا، ثم، من قال إن «الإخوان» يرغبون في حلٍّ اليوم؟ أو السيسي؟ الطرفان لا يريدان حلًّا، المبادرة هي «تمنّ» لمن يعزّ عليهم بقاء قيادة «الإخوان» في السجن، وهذا ما يعزّ علينا، لقد تحولت مصر إلى ساحة صراع بين حاكم بالسلاح ومحكوم بالاضطهاد، وما يُنسب إلى «الإخوان» على أنهم إرهابيون، هو افتراء، هم ليسوا كذلك، هم إصلاحيون. هذا التصريح يضم تصريحًا ضمنيًّا أن حركة النهضة على استعداد للصلح بين الطرفين والوساطة، لكنه لم يذكر أن حركة النهضة على استعداد لتقديم أي دعم ل«محاصرة الانقلاب دوليًّا»!

العلاقة مع حماس

أكدت مصادر أمنية مصرية أن العلاقات بين القاهرة وحركة حماس قد تحسنت وتطورت بشكل كبير بعد اللقاءات الأخيرة، والتي أذابت الخلافات الجوهرية بين الجانبين.

وقالت المصادر لوكالة «معًا» إنه مما تم الاتفاق عليه التزام حماس بضبط الحدود بين قطاع غزة ومصر، وعدم السماح باختراقها عبر الأنفاق باتجاه سيناء.

وأضافت المصادر أن مصر أكدت أن النقاش حول فتح معبر رفح بشكل دائم وإقامة تبادل تجاري عبره سيجري مع السلطة الفلسطينية إذا أخلصت حماس نواياها تجاه المصالحة وضبط الحدود.

قد يقول البعض إن من حق حماس أن تبذل ما بوسعها لتخفيف الحصار عن أهل غزة، ولكن على الجانب الآخر فإن تأزم العلاقة بالأساس كان بسبب تمسك حماس الأساسي بدعم الإخوان في مصر، فهل معنى «ذوبان الخلافات» تخلي حماس عن دعم إخوان مصر ولو حتى ظاهريًا؟

العلاقة مع الإخوان في اليمن: الحلقة الأخيرة في مسلسل «محاصرة الانقلاب دوليًّا» نغلقها مع العلاقة بين إخوان اليمن والنظام المصري قد لا تكون علاقة مباشرة، ولكن مما لا خلاف عليه بأن النظام المصري أصبح تابعًا للملكة العربية السعودية منذ الانقلاب العسكري، وبناء عليه فإن تحسن العلاقة بين إخوان اليمن والسعودية ينعكس بالضرورة على علاقة إخوان اليمن بالنظام المصري.

قد يؤمن البعض بأن من حق كل تنظيم قطري يتبنى فكر الإخوان أن يقدم ما فيه مصلحة شعبه على أي شيء، ولكن هذا اعتراف ضمني بأن مبدأ «أن كل الحدود تراب» وأن «المسلم أخو المسلم» هي مبادئ هشة تتساقط بتقادم الأيام، على الإخوان أن يلتفتوا لهذه الحقيقة الأساسية إذا لم تستطع أن تكسب دعم من يتبنى فكر الإخوان في الخارج فهل من المنطقي أن تقنع من لا يتبنى فكر الإخوان بمحاصرة الانقلاب؟

الإخوان لا يتعاملون مع الحدث

مما لا شك فيه أن الثورة لا يصنعها القوى السياسية، ولا يمكن لأية قوة مهما كان اسمها، ومهما كان حجمها أن تصنع الحدث فالحدث منبعه الشعب ولكن يمكن لأية قوة سياسية حكيمة توجيه الاحتقان والغضب الشعبي في مساره الصحيح.

إن الأزمات الدولية مثل مقتل ريجيني، وملف حقوق الإنسان الأسود، والأزمات الاقتصادية والسياسية الدولية، مثل التنازل عن أجزاء من التراب المصري، والتي أغرق النظام المصري فيها نفسه، والتي كانت بالأساس سببًا لغليان الشارع المصري وغضب الشارع المصري تجاه النظام، لم تكن وليدة لبراعة الإخوان ولا وليدة لأي تيار ثوري، ولكن كانت نتيجة من تحكيم العقلية العسكرية بدلًا من العقلية الوطنية، وبناءً عليه فإن المأزق الذي وقع النظام فيه دوليًا ومحليًا لا ندين بالفضل به لإخوان ولكن ندين بالفضل به إلى إرادة الله.

«أنت لا تصنع الحدث ولكنك تستفيد منه» قد يكون أحد مبادئ ميكافيلي غير الإنسانية استغلال الآخرين للوصول إلى الأغراض الشخصية، ولكن لو التفت الإخوان إلى مسؤولياتهم تجاه الشعب المصري «مذ كانوا بطريقة أو بأخرى أبزر أسباب الانقلاب أو لنقل إن أضعف الإيمان لم يتمكنوا من منعه وهم في السلطة» فسيفهمون أن من واجبهم توجيه الحراك إلى نصابه الصحيح الذي يسهم في إسقاط النظام لمصلحة الشعب.

حتى يومنا هذا علينا أن نعترف أن الإخوان فشلوا في أن يقدموا إنجازًا حقيقيًّا على الساحة فلم يستطيعوا أن يثأروا لضحايا رابعة، ولم يحققوا أي هدف من أهداف الاعتصام التي أعلنوها، ولم يتمكنوا من حصار الانقلاب خارجيًّا، بل ربما الإنجاز الوحيد أنهم نجحوا في أن يكونوا جنودًا تقاتل في المعركة الخاطئة، يسقط منها الضحايا، ويعتقل منها الأبرياء.

إن استنزاف طاقات الإخوان في المعارك الداخلية، والمعارك الجانبية لا يصب فقط في مصلحة النظام المصري، ولكنه أيضًا يصب في خانة خيانة الأمانة التي يتحملها الإخوان تجاه الشعب المصري.

على الإخوان أن يفهموا أن سنة الله الباقية تغيير الأمم، وإذا لم يفهم الإخوان أنه قد آن للرجل المريض أن يبحث عن العلاج الحقيقي أو يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد