تفاعلت وسائل التواصل السورية خلال الأيام الماضية بخبر اعتقال القوة الأمنية لهيئة تحرير الشام بإدلب للدكتورة بتول جندية الشهيرة بعلا الشريف، وذلك بين متعاطف معها وبين من أبدى شيئًا من الشماتة بها، من أبدوا الشماتة ليسوا فئة المبررين من أتباع الهيئة فقط، بل كثير من معارضيها كان لهم الموقف ذاته!

عرفت الشريف بتأيدها لهيئة تحرير الشام وهي ممن يحسبون عليها، وتعتبر من أشد من برر للهيئة تصرفاتها الإجرامية منذ بدأ قتال أحرار الشام وغيرها من فصائل الثورة وليس انتهاءً بتبرير مظالم وجبايات حكومة الإنقاذ، الحكومة الصورية لهيئة تحرير الشام بإدلب.

تم اختطاف الشريف من منزلها إذ اقتحم ما يقارب العشرين رجلًا من أمنيي الهيئة بيتها عنوة محطمين باب المنزل، وتم سحلها من بيتها بملابسها الخاصة بدون حجاب أو غطاء رأس! أمام طفلها وفي غياب زوجها. ومن ثم تم إخفاؤها قسريًا مدة أيام ليعلم ذووها بعد ذلك بمكان اعتقالها بزنزانة منفردة في السجن المركزي للهيئة سيء السمعة والمتواتر عنه قصص التعذيب للنساء والرجال على حد سواء. كما تم تفتيش منزلها وسرقة بعض متعلقاتها الخاصة وأهمها أجهزة المحمول واللاب توب الخاص بها.

هل أنسى الحكم الإسلاميين قصة طالما ذكروا بها أجهزة أمن الدولة، بأن أبا جهل رفض اقتحام بيت ألد أعدائه وهو النبي صلى الله عليه وسلم رغم علمه بوجوده فيه وفضل انتظاره حتى يخرج، وذلك فقط حتى لا تتحدث العرب أنه اقتحم البيت وروع نساء محمد؟

وحتى لا يؤذي المبررون آذاننا بأعذار أقبح من الذنب نفسه، فعلى أي حال لم يروِ لنا التاريخ ندم أبو جهل على مروءته التي ترتب عليها هجرة عدوه.

جاء اختطاف الشريف بعد أن نشرت على حسابها عبر الفيس بوك منشورًا تصف فيه وزير العدل بحكومة الإنقاذ إبراهيم شاشو وجمعة العمر الوزير السابق للتعليم العالي بالحكومة ذاتها بأنهما بعثيان وتتهمهما بإفساد المحرر وتحويل القضاء وجامعة إدلب لمؤسسات جباية، كما كتبت عبر الفيسبوك : «أليس عجيبًا أن يجتمع في حكومة الإنقاذ وزيران من الائتلاف هما النجار وعامر، ووزيران بعثيان هما جمعة العمر وشاشو».

 كما زعمت أنها تمتلك قضايا وملفات فساد موثقة تثبت صحة ادعائها عليهما، ووعدت بنشر فضائح من العيار الثقيل، بعضها مرتبط بالشرعي المسؤول عن تطبيق الآداب العامة الذي انتدبته «تحرير الشام» إلى المركز الثقافي في إدلب ومديرية التربية المُلقب بـ«الخراب»، والمتهم بالتحرش بالموظفات والطالبات وتضامن شاشو معه.

اشتهر جمعة العمر وزير التعليم العالي السابق لدى حكومة الإنقاذ بعمله لدى النظام النصيري وانتشرت له صورة تطوعه في حملة سوا لترشيح بشار الأسد لعام 2014.

وزير العدل «شاشو»، كان قد عمل قاضيًا في الهيئة الشرعية في حلب منتدبًا عن «أحرار الشام»، وذلك قبل انفصاله عن الحركة ومشاركة «تحرير الشام» في قتالها، واشتهر شاشو بخطبه في جامع البتول بحي الزبدية المؤيدة لمواقف داعش كحرق الكساسبة.

إفساد وزارة العدل بإدلب وتحويلها القضاء لمطية لها تجاوز حد الترقيع للفصيل. فلم يعد دور الشرعي مجرد الترقيع لفصيله كما وصف أمير قطاع إدلب التابع لتحرير الشام «أبو حمزة بنش» دور شرعيي الهيئة فيها. بل ترقى المرقعون من مجرد شرعيين إلى ما يفترض أنه مؤسسة قضائية، ومن مجرد الترقيع للفصيل إلى الترقيع للأشخاص وعلى رأسهم بالطبع صاحب الوزراة إبراهيم شاشو.

وليصبح إرهاب الناس الناتج عن توثين المؤسسة القضائية وتقديس رجالها باسم شرع الله، مستحضرًا بالأذهان نموذج الدولة الثيوقراطية إذ يظن الحاكم نفسه نائبًا عن الإله! لتتحول وزارة العدل بذلك إلى حكومة مستقلة بذاتها داخل ما يسمى بحكومة الإنقاذ!

بعد اختطاف دام 10 أيام قامت الهيئة بإطلاق سراح علا الشريف وذلك نظير مساومات عدة لها ولزوجها بعدم نشر أي شيء يتعلق بفساد الهيئة أو جرائم وزير العدل إبراهيم شاشو. قام بتلك المساومات أهم شرعيي الهيئة أبو مارية القحطاني، وهو ما التزمت به علا الشريف وزوجها بعد إطلاق سراحها، كما قامت بحذف كل ما نشرته قبل اختطافها.

ألا يتجسد فساد القضاء والقضاة عندما يتحول القاضي أو الشرعي لعاقد مساومات لصالح فصيلة؟ فإذا كان هذا تعامل «تحرير الشام» مع مؤيديها ومن هم محسوبون عليها، فما هو تعاملها مع معارضيها؟ وإذا كان هذا هو ما تراه الهيئة شرع الله في التعامل مع نسائهم، فما هو شرع الله في نظر الهيئة في التعامل مع نساء مخالفيها من الفصائل؟

وإذا كان إبداء النقد لمؤسسات «تحرير الشام» وحكومتها بإدلب على وسائل التواصل أدى بصاحبته إلى انتهاك حرمتها إلى هذا الحد، فما هو الفارق بين حكم النظام الأسدي وحكم الهيئة وفصائل الثورة؟ وهل بذلك يمكن تبرئة «تحرير الشام» من الاغتيالات الداخلية فيها والتي تسارع في نسبتها لداعش والنظام؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد