إن الله تعالى! حينما خلق السماوات والأرض، وخلق آدم من بعدهما، قدر أن الحياة الدنيا، ما هي إلا فترة عابرة، ومرحلة مؤقتة، وأن الحياة الحقيقية، والباقية إلى ما لا نهاية، هي: الدارة الآخرة.

«وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» العنكبوت 64.

وفي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود، يصور الرسول صلى الله عليه وسلم، حال الدنيا، تصويرًا رائعًا وبديعًا، ويصور زمنها، وقيمتها، ومدة مُكثِ الإنسان فيها «ما لي وللدُّنْيا! إنَّما مَثَلي ومَثَلُ الدُّنْيا كمَثَلِ راكبٍ قال في ظِلِّ شَجرةٍ في يومٍ صائفٍ، ثُمَّ راح وتَرَكَها».

مواصفات الحياة الدنيا

وقَدَّرَ الله تعالى! أن تكون هذه الدنيا ذات الزمن القصير، مترعةً بأشكالٍ متنوعةٍ من الابتلاءاتِ، ومشحونةً بشتى أنواع الاختبارات، وحُبلى بالأحداثِ الجسامِ، والوقائع المتغيرة، والمصائب، والكوارث، والمشاكل بشتى صورها، وألوانها. والتدافع بين الناس، والتصادم بين الحق والباطل، والصراع بين الخير والشر. والتنازع بين الإيمان والكفر، والتعارك بين الأفكار الصالحة، والأفكار الفاسدة، والتقاتل بين أولياء الله، وأولياء الشيطان.

فالحياةُ مُثقلةٌ بالمنغصاتِ، والنكدِ، والتعبِ، والآلامِ، والمآسي. ومثخنةٌ بالجراحِ، واللأواءِ، والهمومِ، والأحزانِ، والنَصَبِ، والضَنى. ومشبعةٌ بالجوعِ، والفقرِ، والحرمانِ، والظلم. ومتخمةٌ بالقتلِ، وسفكِ الدماء. ومملوءةٌ بعربدةِ السفهاءِ، والفجارِ، وسطوةِ المستكبرين، والطغاة، وتسَلُطِ الجبابرةِ، والمستبدين والكفارِ.

ولهذا! جاء التقرير الإلهي، مبينًا، وموضحًا هذه الحقيقة الساطعة، للبشر جميعًا، بأنهم مُعَرَضون إلى شتى أنواع الابتلاءات «وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ» البقرة 155. «وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّىَ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ» محمد 25.

ولقد كان أمر الله قدرًا مقدورًا! أن يكون المؤمنون في كل الأزمان، فئةً قليلةً، وأن يكون غيرُ المؤمنين، هم الأكثرية الساحقةِ، وهم المسيطرون على مقاليد الأمورِ في معظم أزمان التاريخ البشري، وأن يُذيقوا المؤمنين أصنافَ البلاء، والعذاب، وأن يكون الرسلُ، هم أشدَ الناس بلاءً، ثم الذين يلونهم في قوة الإيمان، ثم الذين بعدهم وهكذا.

ففي الحديث الصحيح «أشدُّ النَّاسِ بلاءً الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ».

«أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوَاْ أَن يَقُولُوَاْ آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنّ اللّهُ الّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنّ الْكَاذِبِينَ» العنكبوت 2.

العمل هو معيار النجاح

وكان أمر الله مفعولًا! أن يجعل الله تعالى، نجاح العباد جميعًا في أمورهم الخاصة، أو العامة، بناء على عملهم، وجهدهم، وكَدِهم، وكفاحهم، ونضالهم، ومن خلال إرادتهم، وبَذلِهم، وسعيهم، وتضحياتهم، ومن خلال سلوكهم، وتصرفاتهم. ومن خلال مجاهدتهم لنفسهم، ومقاومتهم لحب الراحة، والكسلِ، والخمولِ وحب القعود، والركون إلى الأرض.

وقد خلق الله تعالى، في نفوس العباد جميعًا، حُبَ شيئين متعاكسين، ومتناقضين، وذلك لأجلِ الاختبارِ، والامتحانِ. فخلق حُبَ العمل وأخواته، وحب الكسل وأخواته، وتركَ الناس أن يختاروا بأنفسهم، الطريق الذي يرغبون «إنا هديناه السبيل إما شاكرًا» لنعم الله «وإما كفورًا» بها. الإنسان 3.

«وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ» البلد 10. قال سفيان الثوري، عن عبد الله بن مسعود – قال: الخير والشر.

وعليه! جاء التقرير الإلهي الحاسم، بأن الذي يُزَكي نفسه، ويُطهرُها من الموبقاتِ، والشرور، هو الذي يفوز بالفلاح، والنجاح.. بينما الذي يتركُ نفسه على هواها، ويتبعُ شهواتِهِ، وملذاتها، فهو من الخاسرين الخائبين «قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا» الشمس 9-10. أي خسرَ من أضَلها، وأغواها بالمعصية، وأخفاها، وأخملها، ولم يُشهرها بالطاعة، والعمل الصالح.

الهدف من التصادم في الحياة الدنيا

والهدفُ من ذلك كله، هو: لأجل تنشيط الناس، إلى الحركة، والعمل، والنشاط ، وحتى تصبحَ الحياةُ، لها طعمٌ لذيذٌ فالذي مثلًا: يتعبُ ويكدحُ في النهار، يجد لذةً بالغةً، وهناءةً ممتعةٌ في النوم، وينامُ مباشرةً، بمجردِ أن يضعَ الإنسانُ رأسهَ على الوسادةِ، بينما الذي لا يعملُ ولا يتعبُ، ويُمضي النهارَ، بكسلٍ وخمولٍ، فإنه لا يجدُ لذةً في النوم، ولا يستطيعُ أن ينامَ مباشرةً، بل يتقلب المسكينُ في الفراش، ولا يجدُ النومُ إلى جفنيه سبيلًا.

وهذا مصداق قوله تعالى «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا» البقرة 214.

ولقد كان أمرُ الله قدرًا مقدورًا! أنه بَيَّنَ للعباد، طبيعةَ الحياةِ دون غُشٍ، ولا خِداعٍ، ولا تضليلٍ، ولا توريةٍ، ولا إخفاءِ أيَ شيءٍ من معالمها، فطلب منهم العمل والعمل فقط «وقُلِ اعمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُم ورَسُولُهُ والمُوْمِنُونَ» التوبة 105. ولا يستخفنك أحد.

ليس مطلوبًا من الإنسان تحقيق النتيجة

أما نتيجةُ العملِ! فلم يفرضها ربُ العالمين على أحدٍ من عبادة إطلاقًا، بما فيهم الرسل، ولم يطالبهم بتحقيق نتائج عملهم ألبتة «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ» الشورى 48.

وهذه رحمةٌ منه سبحانه – وهو الخبيرُ البصيرُ بعباده – لهم، لكيلا يشقَ عليهم، ولا يُعنتهم بما لا يستطيعون، ولا يُثقل عليهم فوق استطاعتهم، وقدرتهم، وطاقتهم.

وقد أعلن الله تعالى بشكل واضح، أنه لا يطلب من عباده فوق استطاعتهم، وقدرتهم «لا يُكَلّفُ اللّهُ نَفْسا إلاّ وُسْعَها لَهَا ما كَسَبَتْ» أي من خير «وَعَلَيْها ما اكْتَسْبَتْ» أي من شرّ، أو قال: من سوء.

«وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ» «اتّقُوا اللّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ».

ومن هنا! طلب الله تعالى من عباده المؤمنين، أن يدعوه دائمًا، وفي كل حين، بهذا الدعاء الرائع، الجميل، المُعبر عن ضعف الإنسان «رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ» البقرة 286.

المطلوب من الإنسان العمل والسعي

وقرر الله عز وجل، تقريرًا واضحًا، ساطعًا كالشمس في رابعة النهار، أن المطلوبَ من العبادِ، هو: السعيُ، والعمل. وبناءَ عليهما يتم إعطاءهم المكافأة، والأجرَ، والجزاءَ الأوفى. وكلٌ حسب سعيه، وعمله، وحسب صدقه، وإخلاصه، وحسب استخدام العقل، والفكر، في اختيار الطريق الصحيح، والتحري، والبحث عن الطريق الصحيح، الذي يمكن أن يوصل إلى النتيجة المطلوبة المقصودة.

«وأنْ ليسَ للإِنسانِ إلا ما سَعى. وأن سَعْيَه سَوْفَ يُرَى. ثم يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفَى» النجم 38-41.

فلا يكفي – كما قد يتبادرُ إلى أذهان البعض – أن يعملَ أي عمل، ولا أن يسعى أي سعي، بشكل عشوائي، أو بشكل دروشاني، بدون إجراء دراسة علمية، عملية، عقلانية، عن جدوى هذا العمل، من جميع النواحي الإيمانية، والإستراتيجية، والتكتيكية، والمادية، والسياسية، والاقتصادية، وكل ما يمت بصلة مفيدة للعمل.

وأما التقرير الرباني الأخير، والحقيقةُ الثابتةُ، اليقينيةُ، أن الحق سينتصر قطعًا، إن عاجلًا أو آجلًا، وأن الإسلامَ، سينتصر عاجلًا أو آجلًا، وأن الثورة السورية، ستنتصر إن عاجلًا أو آجلًا، سواء كان ذلك الانتصار على يدي هذا الجيل، أو على يد الجيل القادم «وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ» أَيْ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. «وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ» الصافات 171-173 أَيْ: تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ. «كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» المجادلة 21.

وبين تعالى! أن غاية العمل هو: «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا» تبارك 2 أي: خير عملًا، وليس أكثر عملًا «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ» الحديد 25 أَيْ: مَنْ نِيَّتُهُ فِي حَمْلِ السِّلَاحِ نُصْرَةُ اللَّهِ وَرُسُلِهِ.

إذًا! الربحُ أو الخسارةُ، تعودُ على الإنسان نفسه، وليس على دين الله، أو على الثورة. لأنه مَقضيٌ منذ الأزل، بأنهم سينتصرون. أما الإنسانُ فإن عمل، وجاهد، أنقذ نفسه – كأول مرحلة – من عذاب الله «كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنّمَا تُوَفّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ» آل عمران 185.

ومن أجل ذلك! فإن على بني قومي، الذين يُهمهم أمر الآخرة، ويُهمهم كمرحلة أولية، أن يَنجوا من عذاب النار، أن يعملوا عملًا جادًا، وصحيحًا، ومنتجًا، لنصرة ثورتهم، والقضاء على الزمرة الحاكمة المجرمة الفاسدة في دمشق الفيحاء، وتحرير أرضهم من المحتلين.

وهذا! لا ولن يتحقق، إلا عن طريق الانضمام إلى تجمع السوريين الأحرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد