عالم الغيب، وصاحب القدرة، وخالق الكون، عندما يسأل عبدًا من عبيده، فلا بد من وجود سبب مهم وكبير، فهل سبحانه وتعالى يريد من خلال هذا السؤال معرفة شيء لا يعرفه هو؟ أم يريد استجوابه؟ أم هناك سبب آخر من وراء هذا السؤال؟

الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، وهو عالم الغيب والشهادة، وتعالى سبحانه أن يجهل علم شيء، فليس من المنطقي أن يكون السبب من وراء سؤاله لموسى – عليه السلام- هو لغرض الاستعلام والاستفهام، وصيغة السؤال لا تعطيه صفة الاستجواب، وخاصة أن السؤال يتمحور حول عصى بيده، ليست مميزة، ولا ثمينة، ولا مرصعة ومزينة بالأحجار الكريمة وغيرها، فقط خشبة كأي خشبة أخرى، يحملها الرعاة بأيديهم؛ لتعينهم في عملهم الشاق والمتعب.

ماذا أراد الله تعالى من هذا السؤال؟

نتعلم من هذه الآية أن صاحب القدرة يجب أن يتحلى بروحية العطف، وسهولة الحوار، وجذب الطرف الآخر إلى مشاركة الحديث، فهو عليه أن يُشعر من هو أدنى منه بالرتبة والمنزلة أنه محترم، وله كيانه وشخصيته، وألا يسلخه من إرادته ليصيّره مملوكًا بالقوة لا مطيعًا بالحب، لذلك نجد في طيات هذا السؤال نوعًا من أساليب الخطاب الراقي، والذي على جميع المديرين، والرؤساء، والقادة، والمسؤولين مخاطبة العاملين معهم ومن هم دونهم بهذه الكيفية.

كيف تمتص مخاوف وارتباك أولئك الذين يشعرون بالقلق عند الوقوف أمام المسؤول، كيف تتعامل معهم بحرفية تحقق ما قاله الرسول الأكرم – صلى الله عليه واله وسلم-: «لا ضرر ولا ضرار»، إذ يحافظ المدير على هيبة الوظيفة ومكانته في المنصب، مع إشعاره لمن دونه بأنهم ليسوا خدمًا، وأنهم ليسوا نكرات؟

لا يكون ذلك إلا من خلال التوجيه الصحيح، واستخدام أسلوب ناعم، يكسر الحواجز ويذيب المشاعر المتجمدة، ويخرج الشخص من حالة الذهول والصدمة الى حالة التركيز والوعي، على القائد أن يمعن النظر في أسلوبه كثيرًا، وأن يتخذ من هذه الآية نقطة للانطلاق، فالله سبحانه وتعالى يعلم ما في يد موسى عليه السلام، لأنها من خلقه، وموسى قادر على أن يجيبه بعبارة «أنت أعلم»، ولكن ما حدث أنه أجابه، ولم تك إجابته مقتصرة على أن يقول إنها عصاي، بل تعدى إلى الإسهاب في الإجابة، فقد أعطى منافعها ولم هو يحملها، رغم أن السؤال كان واضحًا جدًّا، وجوابه أوضح منه، كان يكفي أن يقول «إنها عصى»، وهنا بيت القصيد، حيث يظهر على موسى الارتباك والخوف، وكيف لا يخاف وهو يتلقى الخطاب من خالق الخلق، العظيم الجبار، ورغم ذلك ذابت مخاوفه مع أول الكلمات، سؤال كان كفيلًا بمغادرة الخوف من قلب موسى – عليه السلام- إنه المفتاح الذي فتح القفل، وشعلة النور التي طردت الظلام.

نحن بحاجة إلى اتخاذ هذا الأسلوب في الحوار، وأن نهجر أسلوب التشنج والتكبر، فلسنا بقادرين كما هو الله تعالى، ولسنا بعظمته وجبروته وعلوه، ورغم ما هو عليه سبحانه، فإنه كتب على نفسه الرحمة، واستخدم مع أنبيائه هذا الأسلوب المرن، ليشجعهم على خوض التجربة، وقول ما في قلبهم من أفكار ومخاوف، وإعطاءهم الحلول، ودون توبيخ أو تهديد، ليهديهم إلى هذا الأسلوب الحواري، والذي من خلاله أوصلوا الرسالة، وحققوا ما هو مطلوب منهم، بكل ما أوتوا من عزم، ودونما كلل أو انهزام.

ولا يكفي أن يتوقف الأسلوب عند هذه النقطة، بل على الرئيس أن يتفاعل مع المرؤوس مستمعًا إلى مشاكلهم التي تثبط معنوياتهم، وأن يعطيهم الحلول المناسبة، وأن يضع قدراته وما يستطيع فعله وعمله في خدمة المرؤوسين، لتحقيق النجاح وخوض خضم التجربة الميدانية، وإن كانت صعبة وخطرة، إلا أنها تصبح سهلة بمساندة صاحب المسؤولية، وهذا ما يجب أن نجده في علاقة الآباء مع الأبناء.

«وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَىٰ (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ (36)» (سورة طه).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد