عادة ما نقرأ عناوين مفادها بأنك إذا شاهدت هذه الأفلام فستتغير حياتك للأبد، أو أنك إذا قرأت هذه الكتب ستتغير طريقة تفكيرك تمامًا، هل هذا صحيح؟ أو بشكل أوضح هل وظيفة الفن بشكل عام أن يقوم بتعليم الناس كيف يعيشون حياتهم؟ المخرج الكبير وودي آلان في مهرجان كان الماضي عندما تم سؤاله عن كيف تساعده صناعة الأفلام في الإجابة على الأسئلة الكبيرة في الحياة، قال فيما معناه بأنه لا يوجد إجابة متفائلة حول قسوة هذه الحياة وأن الحياة لها برنامجها وأجندتها الخاصة ولا تسير كيفما تريد دائمًا.

ولذلك فإن الفنان عليه أن يأتي بأشياء تشرح للناس لماذا تستحق هذه الحياة أن تُعاش وأنها شيء إيجابي ذو معنى، ولا يمكن فعل ذلك دون خداع الناس وذلك عن طريق تشتيتهم، ومن هنا وضع وودي آلان حجر الأساس للحديث عن نقطة مهمة جدًا، وهي التشتيت الذي يلهي الناس عن قسوة الحياة، عندما نجلس لنشاهد فيلمًا لمدة ساعتين نبقى مشدودين للقصة وأبطالها فنتعاطف معهم ونحبهم أحيانـًا ونغضب بسببهم في أحيان أخرى ونضع أنفسنا مكانهم لنعيش هذه المدة البسيطة وهي مدة مشاهدة الفيلم في عالم آخر، وهو في الحقيقة شيء جميل فما هو الجيد أن نعيش نفس الأمور يوميًا بلا أي تغيير، ومن منا لم يتمن في أوقات كثيرة من حياته أن يستيقظ ليجد نفسه شخصًا آخر مُحاطـًا بأشخاص غير الذي يعرفهم بعيدًا عن كل الصخب الموجود في حياته، الفن يخدعنا في أوقات كثيرة ولكن بشكل جميل وبانسيابية مريحة حتى يبعدنا عن الواقع الذي يجب أن نحتفظ بمسافة مناسبة تجاهه، فيجعلنا نعيش ونراقب هذا الواقع القاسي في أحيان كثيرة دون الاصطدام به.

عودة مرة أخرى عن كيف ستتغير حياتنا إذا شاهدنا أفلام مُعينة، هل مثلاً من المفترض أن نُمسك بالورقة والقلم ونبدأ في كتابة الدروس المستفادة من كل فيلم نشاهده ونبدأ في تطبيقها في حياتنا؟ الأمر ليس هكذا ولكن أحد وظائف الفن في وجهة نظري هو أنه عندما يتراكم لدينا وبداخلنا قدر كبير من الفن الجيد ذي القيمة العالية فإنه يبدأ بتغييرنا من الداخل على فترات، فيجعلنا نشك فيما حولنا وفي الأشياء التي نعتقد أنها لن تتغير أبدًا ونأخذها كمسلمات، أن يخبرنا بأشياء ربما تكون بديهية ولكننا نحتاج من يخبرنا بها، فنحن في أحيان كثيرة لا نجد من نشاركه ما نشعر به سوى الفن، أن يدعمنا في قرار ما نجد حيرة في حسمه، أو كما قلت سابقـًا أن يلهينا قليلاً عن الواقع وما به من مشاكل.

وأنت تختار ما تريده أن يملأ الفراغ بداخلك هل هو فن حقيقي ذو معنى أم أشياء سطحية لا معنى لها ستنساها بمجرد الانتهاء منها، وهذه إشكالية كبيرة في تصنيف الفن وما الذي يستحق أن يكون ذا قيمة وما التافه منه ولكنها قضية كبيرة تحتاج للكثير من الكلام، ومن أفضل من قاموا بطرحها هو فيلم Birdman الفائز بالأوسكار العام الماضي كأفضل فيلم، فمع مشاهدة مزيد من الأفلام المتنوعة سيتراكم لدينا الخبرة الكافية للتفرقة بين الفيلم الجيد والفيلم السطحي الذي بلا معنى، وسنكتشف حينها من قام بالتأثير فينا وترك بداخلنا انطباعًا لا يزول، وما قمنا بنسيانه بعد مشاهدته بساعات، والأمر مماثل للكتب وللفن بشكل عام، ومن وجهة نظري فإن الفن الجيد هو ما تعيش معه وتفكر فيه في وسط حياتك اليومية المعتادة وفي شخصياته وسر أفعالهم، فمثلاً رواية اسمي أحمر لأورهان باموق في فترة قراءتي لها كنت أفكر فيها دائمًا بعد الانتهاء من جزء منها وأحاول تخيل ما سيحدث وكيف ستنتهي تلك الحكاية المعقدة، وأتساءل عن سر أفعال هذا أو ذاك، وهذا في رأيي أحد مميزات الفن الجيد أن تعيش بداخله بكل جوارحك.

الحياة بلا فن بالتأكيد كانت ستكون مأساة، ولكن الفن جعلها أقل قسوة، فهل مشاهدتنا للأفلام التي تنصحنا بها بعض المقالات أو ينصحنا بها بعضهم قائلين إنها ستغير حياتنا سيغير حياتنا فعلاً؟ بشكل جزئي نعم، إذا ما أردنا نحن ذلك، وإذا ما اكتسبنا القدرة للتفرقة بين الفن الجيد والفن الذي لا طائل منه ما ننساه بمجرد انتهائنا منه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد