من المعروف أن النظام السياسي الحالي في الجزائر هو النظام الرئاسي، لكنه بخصائص هي أقرب في آلياتها للنظام الشبه رئاسي، لكن مع التحولات التي تعرفها الجزائر الآن والرغبة في بناء جمهورية جديدة، ظهر نقاش جديد حول أي نظام سياسي يمكن أن تتبناه الجزائر في المرحلة القادمة من أجل إحداث قطيعة بما كان قائمًا من قبل والرغبة في بناء دولة قوية مستقبلًا.

هناك مقترحات ظهرت، منها من يريد أن يطبق نظامًا برلمانيًّا ومنها من يريد نظام شبه رئاسي، وآخرون يريدون البقاء في هذا النظام مع تغييرات في بعض الصلاحيات والمواد في الدستور الحالي، ولهذا أردت من خلال هذا المقال تقديم وجهة نظر حول ما هو النظام السياسي الأكثر ملائمة للجزائر؟

إذا تحدثنا عن النظام البرلماني فهو نظام يقوم على الفصل المرن ما بين السلطات، خاصة السلطة التشريعية والتنفيذية، والذين يريدون هذا النظام دافعهم الأساسي هو رغبتهم في التخلص من الصورة السيئة لرئيس الجمهورية، والتي تعني التفرد بالسلطة، ومن هذا المنطلق فهم يسعون إلى تبني النظام البرلماني الذي يجعل من منصب الرئيس منصبًا شرفيًا ويعطي الصلاحيات لرئيس الوزراء، الذي يتم انتخابه عبر البرلمان والذي يشكل في ما بعد الحكومة، وهذا من خلال تشكيل الأغلبية والتي تعطيه حق تعيين أفراد حكومته، وهذا النظام جيد، لكن التساؤل الأساسي هو ما مدى فعالية البرلمان في الجزائر؟

من خلال تجربة الجزائر، نجد أن البرلمان ليس له دور بالمعني الحقيقي للبرلمان، فهو مناسباتي ويقوم على معايير كالولاء والزبونية وتحالف المال مع السياسية، وبالتالي نجد أن البرلمان لن ينتج أكثر من رئيس وزراء فاسد أو غير كفء ليتم تكرار أخطاء الماضي، وفي المقابل نجد أن هناك عزوف سياسي وانتخابي خاصة لدى الكفاءات والشباب، وهذا يجعل من عملية التغيير وتفعيل النظام البرلماني أمرًا صعبًا، والأمر الأخر هو الأحزاب السياسية التي لم يعد يثق فيها المواطن، وبالتالي يصعب حسم الأمر عبر هذا النظام السياسي الذي يقوم على ثنائية سلطة معارضة.

في ما يخص النظام السياسي الرئاسي، نجد أن أحسن مثال هو النظام السياسي الأمريكي، إذ نجد الفصل الجامد بين السلطتين التنفيذية والتشريعية مع عدم وجود رئيس للحكومة، والذي يمثله رئيس الجمهورية، هذا النظام هو الذي يقوم عليه النظام السياسي في الجزائر الآن، ولكن بتعديلات تختلف عما هو عليه في الولايات المتحدة الأمريكية حيث نجد صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، خاصة في مسألة التشريع عن طريق المراسيم الرئاسية أثناء عطلة البرلمان أو ما بين دورتي البرلمان، وهذا أعطى وزنًا كبيرًا للسلطة التنفيذية مع وجود برلمان يعاني من العجز الديمقراطي، وبالتالي هيمنة منصب رئيس الجمهورية على حركية النظام السياسي وخلق منصب الوزير الأول الذي يقوم بمهام رئيس الحكومة من خلال عرض بيان السياسة العامة على البرلمان، وهذا يؤدي إلى تركز السلطات بيد السلطة التنفذية في ظل تبعية السلطة التشريعية والقضائية للسلطة التنفيذية، ومثال على ذلك عند عرض  الوزير الأول بيان السياسة العامة على البرلمان، في حالة عدم الموافقة تحل الحكومة ويتم تعيين حكومة جديدة ويعاد عرض بيان السياسة العامة على البرلمان، وفي هذه الحالة في حال رفض البرلمان لهذه السياسة يحل رئيس الجمهورية البرلمان ويتم إجراء انتخابات برلمانية، وبالتالي نجد أن الرئيس هو محور السلطة هنا، وبالتالي نجد أنه من الضروري التقليص من صلاحياته من خلال إجراء تعديلات عليها.

من جهة أخرى، نجد أن النظام شبه الرئاسي هو النظام الأقرب للحالة الجزائرية، وهو الذي كانت عليه الجزائر من قبل، لكن من خلال إجراء تعديلات عليه، فالنظام شبه الرئاسي يجمع ما بين خصائص النظام الرئاسي والبرلماني، وهذا من خلال خلق منصب رئيس الحكومة الذي يتولى المسؤولية أمام البرلمان والرئيس في نفس الوقت، مع التقليص من صلاحيات الرئيس والحكومة في مسألة التشريع عبر اللوائح أو المراسيم الرئاسية، وإعطاء مجال أكبر للبرلمان، والتعديل في شروط الترشح له، وتفعيل آليات الرقابة القبلية والمحاسبة البعدية، وهذا النظام سيجعل من منصب رئيس الحكومة منصبًا تنفيذيًا حقيقيًا، ويجعل من البرلمان هيئة تشريعية حقيقية، وبالتالي يكون رئيس الجمهورية هنا الموجه للسلطة التنفيذية، وليس هو الفاعل الحقيقي لها.

من خلال ما سبق، نجد أن مسألة اختيار أي نظام سياسي لا يرتبط بالصلاحيات بقدر ما هي القدرة على تفعيل مبدأ الفصل بين السلطات؛ مما يحقق الديمقراطية الفعلية من خلال خلق توازنات في ممارسة السلطة، والجزء الثاني هو إشراك المواطن عبر إصلاح حقيقي في فعالية النظام، وهذا يكون في إطار تفعيل أليات الديمقراطية التشاركية التي تقوم على إسهام المواطن في صنع سياسته وواقعه والانخراط في الفعل السياسي، وبالتالي هذه هي المرتكزات الأساسية لبناء نظام سياسي فعال ديمقراطي يحقق التنمية والازدهار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد