بصحاري أقصى غرب القارة الآسيوية وتحديدًا بلاد الشام، وفي السنوات الأخيرة قُبيل انتهاء القرن الثاني من الهجرة النبوية، مجموعة من العرب تأتي من بعيد.. تبدو عليهم ملامح التيه والرِّيبة، حتى اقتربوا من مجلس الإمام الشافعي، وطلبوا منه طلبًا أشفت إجابته صدور كثير من الناس في القرون الماضية؛ لكنها في القرون المتأخرة أشعلت ثورات لا زالت تتأزز في نفوس الكثيرين، لم يكن الطلب سوى سؤال جرَى على لسان أحدهم قائلًا للإمام: اذكر لنا دليلًا على وجود الله! هنالك فكَّر الإمام لبرهة – كما ورد في السِّيَر – ثم قال: الدليل على وجود الله – عز وجل – هو ورقة التوت!
فتعجب السائلون، وتساءلوا ثانيةً: كيف تكون ورقة التوت دليلًا على وجود الله؟!
فكان رد الإمام: إن ورقة التوت طعمها واحد، لكن إذا أكلها دود القز أخرج منها حريرًا، وإذا أكلها النحل أخرج عسلًا، وإذا أكلها الظبي أخرج المسك ذا الرائحة الطيبة.. فمن الذي وحّد الأصل وعدّد المخارج؟!

 

براهين منتهية الصلاحية، أم ماذا؟!

في زمن لم يكن يغلب عليه سوى هدوء الصحاري وصمت الفضاء، كانت هذه هي إحدى أسباب إيمان بعض الناس بوجود الله كخالق قيّوم للكون، على الرغم من أنها ربما تبدو ساذجة للبعض وهم يقرأونها الآن في القرن الرابع عشر من الهجرة، بل سيراها بعض المفرطين باستخدام عقولهم على أنها استخفاف بالعقل البشري واحتيال على النفس الإنسانية التي تشهد الآن تطورًا كبيرًا في مداركها، لكن لا شك أنها كانت حُجّة مقنعة في وقتها!

لكن هل هي صالحة الاستخدام إلى الآن؟ حقيقةً لا أدري.. ربما لم تعد صالحة الاستخدام منذ زمن أوهكذا بدأ ينظر بعض المعتزّين بعقليّاتهم – الفريدة من نوعها – للأمر.. وربما أيضًا قد لا ننكر تلف صلاحية بعض هذه الحُجج لهذه الأجيال التي لم تعد تثيرها معجزات الماضي التي أصبحت في متناول حاضرها؛ ولذا فإنه ربما إعادة سرد مثل هذه القصص بغرض الحصول على نفس النتيجة التي تُحصِّل عليها في زمن الحدث نفسه (وهو الإيمان بوجود الله في هذا المثال) هو أمر شبه مستحيل إن لم يكن بلغ الاستحالة بالفعل.
ولذا فإن استعراض وسرد الأحداث العقائدية أصبح أمرًا في غاية الحرج؛ ليس لأن العقائد هشَّة، ولكن لأن العقول التي اقتنعت بالأمس لم تعد قادرة على تقبل الأمر والاقتناع به اليوم، ومن ثم فإن سرد مثل هذه القصص بغرضٍ سوى السرد في ذاته يعتبر حُجّةً مضادةً للحُجّة المقصودة.. لأن عقل الإنسان وقدرته الاستيعابية يتغيران من زمن لآخر، ومن أجل ذلك أرسل الله رسالات مختلفة على عصور مختلفة وبتشريعات مختلفة، وقد سرد القرآن كيف آمن نبي الله إبراهيم عليه السلام في سورة الأنعام: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.


إنها لا تعمى الأبصار!

هكذا آمن نبي الله إبراهيم في سيناريو لا يختلف كثيرًا عن قصة ورقة التوت.. وعلى نقيض أسباب إيمان نبي الله إبراهيم التي قد نراها غاية في البساطة؛ فلم يؤمن قوم صالح بسبب – يمكن وصفه بأنه أكثرعظمة أو أكثر مادّية – كالناقة، ولا قوم موسى بسبب آخر كالعصا أو حادثة يوم الزينة، ولا بنو إسرائيل بالمسيح ابن مريم.. ليتبيّن أن الحقيقة قائمة ببساطتها وتعاقيدها.. لكن هدى الله هو الهدى. أما لهذه الأمة ولهذا الجيل وفي ذلك العصر وإلى أن تقوم الساعة فلرُبما الحُجّة الباقية ليست النجوم والأقمار وليست ورقة التوت، وربما ليس الدليل على وجود الله أن لفظ الجلالة موجود، واللفظ لا يمكن أن يوجد إلا إذا وجد له معنىً أولًا – كما ورد عن الشيخ الشعراوي – وإنما حجتنا الباقية هي القرآن ونبي القرآن.. لأنه ربما من الممكن للعقل البشري أن ينكر وجود الله، ولكن كيف يمكنه أن ينكر وجود محمد؟ أو أن ينكر عظمة ما جاء به محمد؟!


الإلحاد ونزعة التمرّد والاختلاف!

خلاصة القول، لأنني لا أتعرض للأمر من جانب إثبات وجود الله من عدمه، أو الدفاع عن شخصيات بعينها، لكن الموجة الحديثة لفلاسفة الملحدين وبعض المتفلسفين المسلمين التي تجري في اتجاه الطعن في المعتقدات من خلال نقد السِّيَر القديمة بطابع يغلب عليه الاستهزاء. والنقد والتساؤل في ذاته لا أعيبهما على أحد؛ لكن النبش في الأثر القديم والاستهزاء به بدعوى إزالة الجاهلية العمياء أو إزدواجية الفكر والتقديس المبالغ فيه لبعض الشخصيات التاريخية هو أمر جدير بهؤلاء الذين تعتريهم أنماط الغرور والكبر اللذين لا تطفئ نيرانهما سوى الشعور بأفضلية العقلية. ومن المؤسف أن بعض الذين يقولون أنهم مسلمون ينتهجون ذات الفكر ليرضوا نفس الغرائز، وإن كانت النوايا صادقة – والله أعلم بها – فليست هذه هي الطريقة التي ستمحو الإيمان الأعمى بالله؛ لأن طرح التساؤلات على الملأ بدون توافر إجابة والنقد بصورة استهزائية يثير عواطف الذين لا يمتلكون الإجابة وقد يثير حمية أحدهم فيزداد عمىً على عماه أو أن تقود هذه التساؤلات – التي لم يطرح إجابتها سائلها – إلى إلحاد هذا الشخص! ولذا فقد وجب على المتسائل أنه إذا كان لا يمتلك إجابة لتساؤلاته أن يسأل من هم أهلًا للإجابة بعلمهم ومعارفهم، بدلًا عن طرح تساؤلاته على العامة محدودي الأفق لأن هذا لن يحدث سوى بلبلة لا فائدة منها! وأنا لا أعيب أيضًا التساؤلات في ذاتها، بل أحبذها، لكن نصيحة أخيرة؛ ابحثوا وتساءلوا بغرض ونيّة الوصول لحقيقة الأمر، وبطريقة تدعم هذه النيّة، والتي لن تكون أبدًا نقدًا ساخرًا أو تساؤلاتٍ بدون إجابة على الملأ ربما تثير الهلع والبلبلة.

 

ما لا يُدرَكُ كُلُّه  لا يُترَكُ جُلُّه!

أخيرًا أعتقد أن الأمر يحتاج إلى الالتفات إليه بشكل أكثر حرص وجديّة؛ فالهزليَّة في الدين والعقائد أمر مُرعِب ومُخيف – بالنسبة لي – حتى لأولئك الذين يحسنون النوايا، فرُبما تصحيح إيمان البعض ليصبح إيمانًا عن قناعة وإدراك هو أمر عظيم وجدير بالإهتمام لا شك في ذلك، وكما قال د. مصطفى محمود: إن الله أقرب إلى الذين يجتهدون في فهمه من الذين يؤمنون به إيمانًا أعمى، لكنه أحيانًا نتيجة المحاولة تكون عكسيَّة والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم – كما ورد في الحديث – فالاستفهام البرئ في ذاته درجة عظيمة، لكن يجب أن يكون بحيطة وحذر حتى لا يصبح بدايةً لطريق الكفر والإلحاد؛ فالإيمان بالله عن قناعة وإدراك منزلة يحلم بها الكثيرون، لكني في النهاية أعتقد أنه – في أسوأ الظروف – فإن الإيمان بالله إيمانًا أعمى، خيرٌ من الكفر به (والعياذ بالله)!

هدانا وهداكم الله!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد