– 1-

نبدأ كلامنا بنكتة شعبية لطيفة: واحد زار صديقا له، عزم عليه بكوب شاي لكن بطريقة أذهلته، لأنه لم يأت بها من مطبخ، بل فقط طرق على مصباح كمصباح علاء الدين، فخرج عفريت ووضع أمامهم كوبايتين شاي، وبعدين اختفى، (إيه يا عم إزاي؟ معقولة؟ طب أشتري منك المصباح بقا)! وبعد إلحاح، قبل صاحب المصباح مقابل كل ما يمتلكه الشاري تقريبا!

والذي فور أن حاز المصباح، هرع لمنطقة صحراوية وطرق على المصباح، وعندما خرج العفريت، طلب صاحبنا قائلا بلهفة: (عاوز قصر وترابيزات أكل وأكوام ذهب وكذا وكذا) راح العفريت قاله بكل ود ومحبة: (لا والله معلهش أنا بحضر شاي بس)! بشكل ما، هذه النكتة اللطيفة السخيفة تلخص بالنسبة لي حال أنصار السيسي (أو بالتعبير الشعبي: السيساوية)، وحجمهم ومقدرتهم عبر الفيسبوك!

 

فرغم أنك ترى تعليقات بعضهم المتطرفة في كل مكان إلا أن حجمهم ليس بالنسبة الضخمة التي تتخيلها، بل هي بالتحليل المنطقي قليلة للغاية، ليس هذا فحسب، بل إنها تقل يوما بعد يوم. حجمهم بالضبط مثل عفريت، مقدرته على التعليقات والإيهام بالمقدرة والانتشار وهذا فقط، لا أكثر ولا أقل. أما أبعد من هذا؟ لا يوجد!

– 2 –

وبحسبة بسيطة، ومعلومات نعرفها جميعا: لدينا تعداد موظفين بالجهاز الحكومي، أكثر من 5 مليون موظف على الأقل، وبفرض أن نصفهم على الأقل مؤيدون للنظام بشكل ما، أي حوالي: 2 مليون موظف (وقد يكون أقل ولكننا نرجح على الأكثر طبعا).

ثم لدينا أيضا ضباط الشرطة (عددهم لا يزيد عن 50 ألف ضابط شرطة بحسب الإحصاءات)، وأهاليهم وأسرهم التي غالبا لها موقف محافظ، وبنفس الطريقة أيضا لضباط الجيش، أي حوالي: نصف مليون، مؤيد أو مليون إلا ربع. وإذا أضفنا لهم عدد من العاملين بقطاعات متصلة باقتصاد الجيش بشكل ما، فيمكن أن نقول لدينا إجمالي 3 إلى 4 مليون مؤيد للسيسي بشكل تقديري، وهم:

 

4 مليون حساب على الفيسبوك (كمثال) موقفهم شبه ثابت، تجمعها سمات متقاربة وأحيانا متطابقة، وكذلك تأييداتهم ومصادر معلوماتهم سواء عبر القنوات أو الصفحات التي يتابعونها متشابهة، ولديهم أيضا دواعي مصالح تتفق وتشكل دافعهم الأساسي – حتى الآن – للاستمرار في الدفاع عن ما يقتنعون به بكل شراسة وبشكل رهيب، أيا كانت مؤشرات نجاحه من عدمه.

ونؤكد أن هذه التقديرات بعيدا عن المواطنين العاديين بقية الشعب المصري (48 مليون مصري فوق 18 سنة)، والتي قد يكون منهم مؤيدون أو معارضون أو محايدون، بقناعات تتشكل أو تتغير أو تتأثر بحسب كل مواطن وقناعته، وهؤلاء يمكن إقناعهم والنقاش معهم بناء على نقاش، منطقي، عاقل، به سماع وأخذ ورد، ولكن لن يكونوا أبدا بذات شراسة وانحطاط تعليقات تأتي من منبع انتماء المصالح بشكل مباشر التي تشكل دافعا أحيانا.

 

وأيضا ستكون هناك استثناءات لمن ذكرناهم أعلاه، فقد يكون هناك موظف يعمل بالجهاز الحكومي، وله معارضة للنظام واختلاف معه في ذات الوقت ولكنه يعمل لظروف اقتصادية بحتة وهو أمر متفهم ومنطقي ومتوقع حتى.  لكن يظل السائد سائدا، وتظل القاعدة المنطقية مقنعة!

– 3 –

وعندما تربط – بالذاكرة والقياس – بين ما كان يحدث في عهد الإخوان بنفس الطريقة: نتيجة عدد أعضاء جماعتها الكبير (مليون عضو وقتها) بشبكتهم المتصلة من المتعاطفين على طريقة (ليسوا إخوان ولكن يحترموهم)! وتواجدهم المنظم على النت! إضافة إلى لجان الإخوان الإلكترونية مثل؛ كتائب الردع الإلكترونية وشبكة صفحاتهم المتنوعة بتنويعات الانتماء الرسمي والمباشر للإخوان أو غير المباشر.

فإن نفس الشيء يتكرر هنا مع بعض الاختلافات الظاهرية، ولكن بذات الطريقة المنظمة. وعندما تعلم أن عدد المصريين على الفيسبوك حاليا 26 مليون مصري تقريبا، (والرقم معلن وواضح إذا قررت عمل أي إعلان لصفحة عادية)!فإنه يسهل تحرك أي مجموعة لها طابع ثابت ومتحدة على رؤية ثابتة لها، ويظهر تأثيرها ويتوهم انتشارها إذا كانت بهذا الحجم التقديري الأولي، ولكن،ليسوا الأغلبية.كما يحاولون إظهار ذلك!

– 4 –

وإذا كانوا ليسوا الأغلبية، فلماذا نشعر على الإنترنت بتأثيرهم؟ كيف يظهر تأثير 2 أو 3 مليون، ويتفوق على 26 مليون على الإنترنت، ويؤثر ويوهم 22 مليون عاديين خارجه؟

الإجابة ببساطة : أن أي قوة منظمة أو موحدة على رؤية ولو كانت صغيرة، قادرة ببساطة على فرض تأثيرها على وسط خاصة إذا كانت تتسم القوى المواجهة له بالارتباك والفوضوية والتشتت والتشرذم. وحتى في الإستراتيجيات العسكرية يسهل ذلك، وكان يقال قديما أن كتيبة رومانية مدرعة صغيرة قادرة على مواجهة جيش من قبائل بدائية بسهولة شديدة!

وهذا يفسر كيف يستطيعون بسهولة فرض أنفسهم أيضا على تويتر، وتبني هاشتاجات محددة، بنفس الشبكة ونفس التسلسل،ولكنهم، مرة أخرى، ليسوا بالأغلبية!

– 5 –

شاهدنا جميعا في انتخابات الرئاسة (يونيو2014) انخفاض الإقبال الشعبي بشكل واضح على اللجان، لمس هذا الأمر أغلبنا ممن ذهبوا وشاركوا وخصوصا في حملة المرشح حمدين صباحي.وبعيدا عن تقييم نزاهة الانتخابات والجدل حولها،فإننا نتذكر جيدا حرص النظام وأنصاره وقتها على جعل الانتخابات الرئاسية مشهدا حاشدا (يبهر العالم) على حد قولهم، وكان المتوقع أن يذهب باليوم الأول ويظهر على القنوات، حشود الطوابير المؤلفة، كختم يظهر شرعية وقبول الشعب للانتخابات.
إلا أن ما حدث كان العكس تماما.فيما قاطع الشباب الثوري (وقطاع منهم كبير) مشهد الانتخابات، إلا أنه كان اللافت للنظر، اختفاء المؤيدين، وهو ما لفت نظر ليس فقط المراقبين ومن حضروا ومن تابعوا المشهد أيامها، بل لفت بشكل مرعب الإعلاميين المؤيدين للنظام وجعلهم في حالة أقرب للطم والبكاء والاستصراخ، وهم يشاهدون كاميراتهم وهي تنقل اللجان شبه خاوية على عروشها.

 

وهنا كان السؤال المنطقي: إذا كان الشباب قاطع لأمر مفهوم، فأين هم المؤيدون الذين كانوا يتداعون للاحتشاد؟ والجواب المنطقي كان: لم يكونوا يوما بالحجم الذي تظنه. لم يكونوا يوما أغلبية، هم فقط تلك الأعداد القليلة، والتي اضطرتهم لاحقا لمد الانتخابات يوما أو يومين آخرين في محاولة لمداراة الخيبة الواضحة في الاحتشاد وغياب الدعم الشعبي الحقيقي الذي كانوا يظنونه كاسحا.

أما الأرقام التي أعلنها القضاء “النزيه” في الانتخابات (ورقيا)، فهو أمر آخر! ولكننا نتكلم عما شاهدناه رؤى العين، وصدق ما تشاهده، لا ما تسمعه. وصدق قناعتك التي وصلت إليها الآن أنهم ليسوا الأغلبية.

– 6 –

وماذا عن الآخرين على الإنترنت؟ أو بسؤال آخر: لماذا نحن كمعارضين لنظام السيسي لا تظهر لنا قوة أو تأثير واضح مثلهم؟ والجواب: لأننا صراحة، متفرقون، الآن! فبعضنا يعارض السيسي والنظام لأسباب سياسية، والآخر لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية أخرى أخرى. والبعض يعارض لدافع سلطة وصراعات سلطة أو أسباب دينية حتى، وبعضنا محايد، ينتظر ويأمل لعل وعسى يصلح أو تظهر له إمارات بناء حقيقي أو حرب على فساد أو إصلاح أحوال.

 

وبعضنا يائس، وبعضنا نفض يده من السياسة أصلا! وبعضنا الآخر يخون الآخرين! وبعضنا ينقسم ويحارب الآخرين المعارضين أو يشوههم رغم كونهم معارضين مثله! وبعضنا يحاول أن يمسك العصا من المنتصف،فيعارض أجزاء من النظام (الحاشية أوالحكومة)، ولا يحمل المسؤولية للنظام ككل!وبعضنا صار يفكر في نفسه! وبعضنا – وهم غالبية الشعب المصري – يسعى (ويجري على لقمة عيشه) بالتعبير البلدي.

وهؤلاء – أي القطاع الأخير- بالطبع لن يتحرك غالبا إلا بحدوث انتهاكات فجة للغاية وواسعة النطاق بشكل يشعرك بأن القمع أصبح عشوائيا (مثلما حدث في مجزرة استاد الدفاع الجوى الشهيرة). ويتحرك على الأغلب عندما يتجاوز النظام بغبائه واندفاعه ومساره الحالي نحو نقطة تمس إحدى نقاط حياته الحيوية، مثل الأمان أو الكرامة أو لقمة العيش أو فساد يهضم حقا له أو مقومات بنية حياته العادية اليومية.

 

ولهذا في تقديري، الأمر مسألة وقت. فقط مسألة وقت! حتى يفعل النظام بغباء وطمع هذا!ولهذا انتظروا!وحتى ذلك الحين مهما تجدوا من شتائمهم، تخوينهم، ومهما تشاهدون، انتشارهم الوهمي الزائف والقليل (وإن كثر).

 

مهما يصدعكم صوتهم العالي وضحكات سخرياتهم والدليل على ضعف موقفهم! (كما تقول الأمثال القديمة). ومهما يصدمكم غياب المنطق في نقاشاتهم وتغليب التشويه، وهو أمر منطقي وطبيعي! فقط تذكروا فقط:إنهم، ليسوا، أغلبية!والمسألة فقط، مسألة وقت!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد