ربما هذا السؤال على بساطته من أكثر الأسئلة التي يطرحها كثير من الناس في مصر في وضعنا الحالي. فالحكومة عندنا تتصرف كما لو كانت ذات السلطة المطلقة على كل شيء، فمن حقها جباية الضرائب، وأكل أموال الناس، والحصول على مزيد من السلطات والحقوق كل يوم، وفي المقابل هناك شعب يطلب من الحكومة أن توفر له كل شيء، من التعليم والصحة إلى فرص العمل، ويضج الشعب بسبب نقس هذه الخدمات المفروضة على الحكومة دستوريا على الأقل.

ما الذي أوصلنا لهذه الدائرة من اللوم المستمر؟

لنأخذ مثلا حياتيا نعيش به كل يوم، وهو من أوضح الأمثلة خصوصا في الحالة المصرية. فمع ضغوط الحياة، يرجع الزوج من عمله مجهدا كل يوم، منتظرا من زوجته أن يكون الطعام جاهزا، والملابس جاهزة، والأولاد في هدوء يقومون بالواجبات المدرسية، كل هذا تحت لافتة أن طاعة الزوج واجبة، وطاعة الوالدين واجبة، ومن حق الزوج على زوجته أن لا تخالف ما يأمر به. وفي ظل هذا الوضع، يتناسى الزوج أن زوجته أيضا تذهب للعمل مثله كل يوم، وتعود من العمل فلا توجد فرصة للراحة حيث تبدأ في تجهيز الطعام والاستذكار للأولاد، وهنا يصبح ما تقوم به الزوجة واجبا رغم قيامها بأضعاف واجبها تطوعا.

وفي الطرف المقابل لا يختلف الوضع كثيرا، فالزوجة التي لا تؤدي حق الزوج ولا تطيعه، إنما تطالب بالأمر نفسه، فمن واجب  الزوج الإنفاق على بيته، ونظرا لارتفاع تكاليف المعيشة بصورة كبيرة فيعجز الزوج وحده عن القيام بالأمر، وهنا يصبح الزوج مقصرا في حق زوجته. وكم من حالات زواج فشلت وحالات طلاق حدثت بسبب إصرار الزوجة (أو أهلها) على مطالب أعلى بكثير من إمكانيات الزوج. وطبعا النفقة على الزوجة، مثل طاعة الزوج، حق شرعي لا نقاش فيه ولا تفاهم حوله.

ما السبب الحقيقي لهذا النوع من المشاكل؟

من الواضح من المقدمة السابقة أن الخلافات السياسية والخلافات العائلية ترجع لأسباب كثيرة، لكن مصدر هذه الأسباب يعود غالبا لجذر واحد، وهو الاعتقاد في نظرية الحق. هذا الأمر من حقي، سواء كان هذا الحق مالا، أو سلطة، أو تعاملا بأسلوب معين … وحين لا يصلني هذا الحق أبدأ فورا بإعلان الحرب على من حرمني من هذا الحق. فمهر البنت لا بد أن يدفع كاملا مثل بنت خالتها وبنت عمتها حتى لو وصلت لسن الخامسة والثلاثين بغير زواج، فالمهر أو الصداق حق للمرأة بحكم الشرع، وطاعة الحاكم واجبة حتى لو اشترى طائرات رئاسية غالية الثمن، فنصوص الشرع واضحة في طاعة الحاكم ولو جلد ظهرك وسلب مالك. وفي المقابل، لا بد أن تطيع المرأة زوجها حتى لو تطلب الأمر أن تحتاج إلى ست أيد بدلا من يدين اثنتين، ولا بد أن يقوم الحاكم بواجباته كلها بما فيها إصلاح الطريق لبغلة العراق.

كل طرف يطالب بحقه تماما، وينسى أن عليه واجبا مقابلا لهذا الحق، والطرف المقابل يذكر الطرف الأول بواجباته وينسى أن للطرف الأول حقوق أيضا، دائرة مفرغة بلا نهاية، وهي من أسوأ الأمثلة لما يمكن أن تفعله الشعوب بنفسها.

قد يحاول أحد القراء التفكير خارج الصندوق، بأن يقول مثلا أن الوضع يتطلب الرجوع إلى الدين وترك المعاصي، وهذا كلام شديد العمومية، وقد رأينا كيف فشلت كثير من التجارب الإسلامية (إيران – طالبان – الإخوان) بسبب تصلب قيادات هذه التجارب بفرض رؤية معينة وإلزام الناس بها. وفي المقابل رأينا أيضا الأطراف العلمانية والليبرالية تتصلب في مواقفها، لدرجة أن شخصا من المفترض أنه قائد للتجربة الديمقراطية كالبرادعي يتخلى تماما عن كل ما نادى به ويدخل القصر الجمهوري على ظهر دبابة، في موقف مثل خيانة واضحة من الحركة الليبرالية المصرية لكل مبادئ الديمقراطية التي نادت بها طول عقود طويلة.

وهنا يأتي سؤال آخر، لماذا يزداد تمسك الناس، في مختلف المجالات (السياسة، الصداقة، العمل، الزواج …) بحقهم إلى درجة قد تسبب كثيرا من المشاكل، بينما لا يقوم هؤلاء الناس أنفسهم بأي تحرك لتقديم تنازلات تحفظ العلاقات والأوطان؟

الشخصية الحكمية: الرأي الواحد ورفض الاختلاف

يقوم تقسيم Briggs Myers للشخصيات بتقسيم البشر في مسألة الحكم على الأمور والأشياء إلى نوعين، فهناك الشخصية الحكميةjudging personality، وهي غالبا شخصية منظمة منتظمة، تعمل وفق أطر معينة وآفاق محددة، وغالبا يفضل صاحب هذه الشخصية رؤية الأمور بمنظار أبيض وأسود، ولا يفضل الدخول في مسألة «جيد ولكن» أو «سيء ولكن»، فهو يفضل رؤية الأمور كحق وباطل، نور وظلام، صح وخطأ …

من الأمور الخطيرة في الشخصية الحكمية هو مسألة وجود مسافة بين الإدراك والتقييم. فالإنسان قد يدرك وجود تدرج معين من الجيد للسيء، لكنه رغم إداركه هذا فهو يتعامل في الحكم النهائي مع الأمور بمنطق الجيد والسيء. وبالتالي تصبح محاولة لفت نظر مثل هذا الشخص لوجود درجات معينة من الجودة (أو السوء) هي من قبيل تضييع الوقت، فصاحب الأمر يدرك هذا جيدا، لكن الحكم لا ينبني على هذا.

الشخصية الثانية أو المعاكسة هي الشخصية الانطباعية perceptive personality، وهي تحمل الصفات المخالفة للشخصية الحكمية. فصاحب هذه الشخصية غالبا ما يكون شخصا غير منظم، يعمل بصورة غير منظمة بل وفقما يتراءى له. صاحب هذه الشخصية رغم مثالبه فهو أكثر قدرة على التعامل مع الغير، بسبب قدرته على استيعاب مختلف أنواع الشخصيات والأفكار. فهو يرى الأمور بصورة متدرجة، يرى في كل أمر جانبا جيدا وجانبا سيئا، وخطورة التفكير الانطباعي أنه يجعل صاحبه شديد التردد، وبطيئا جدا في الحكم على الأمور، خاصة في المواقف التي تتطلب تحركا سريعا وحكما سريعا على الأمور، كما في عمليات بيع وشراء الأسهم عن طريق الإنترنت … فهذه الشخصية لا تستطيع العمل في بيئة سريعة التغير، لأنها تفقد القدرة على رؤية الجانب الجيد والسيء في كل أمر، وبالتالي تنعدم الرؤية ويصبح اتخاذ القرارات مسألة محفوفة بالمخاطر.

التعليم المصري، كما نعرف جميعا، يربي التلاميذ على النظرة الحكمية للأمور، فإجابتك صحيحة أو خاطئة، ولا يوجد وقت كي يخوض المدرس –الذي تعلم غالبا بصورة حكمية- في دقائق الأمور كي يشرح للطالب ذي الشخصية الانطباعية ما هي الجوانب الجيدة السيئة والجيدة ويقنعه بالأفضل. لا يوجد وقت لهذا «الكلام الفارغ» من وجهة نظر كثير من التربويين والمعلمين، بل الطالب يحفظ الإجابة ثم يقذف بها في الامتحان، ولا يهم إن كان فهمها وأدركها أم لا.

أثر الأساليب التعليمية على الشخصية الحكمية

ترجع الأساليب التعليمية في مصر، وكثير من الدول الإسلامية، لمرحلة ما قبل التعليم الإلزامي، حيث كان المشايخ والعلماء يربون الطلبة والتلاميذ في الكتاب ويعلمونهم العلوم الشرعية. والعلوم الشرعية، منذ ظهور المذهب الحنبلي والتوسع الفقهي لمدرسة الحديث وفق ظاهر النص (والتي هيمنت لاحقا على المدارس الشرعية الإسلامية)، إنما ترى الأمور غالبا بمنحى الحلال والحرام، والصح والخطأ.

ويرجع فهم كثير من المسلمين للإسلام وللحياة كلها إلى هذه النقطة تحديدا، فعالم الدين مثلا يستفتى في حل أو حرمة البيرة منزوعة الكحول، رغم أن طالب الكيمياء قد يكون أقدر على الإجابة على هذا السؤال من الفقيه، لعجر الفقيه عن إدراك الدقائق الفنية في عملية فصل الكحول عن غيره من السوائل. ولا ينحصر الأمر في الأمور الحياتية فحسب، بل ينطبع على كافة الأمور تقريبا، فتصبح الرؤية لأي أمر كبر أو صغر مرتبطة بطونه صح أو خطأ، وهنا لا بد أن يكون للمرء «حكم» على الأمر، والحكم على الأمور بصورة مستمرة هكذا هو من طبيعة الشخصية الحكمية.

ونظرا لتعقد وتشعب الأمور التي يحكم عليها الإنسان، خاصة في واقعنا المعاصر، فإن  التعامل مع الغير، أو مع حقائق الحياة المختلفة وفق نظرية الصح والخطأ إنما يكون تعاملا قاصرا جدا، لأنه يغفل أمرا في منتهى الأهمية وهو رؤية الطرف الآخر.

فعلى سبيل المثال، حين يطالب «الإسلامي» بضرورة تطبيق الشريعة وقطع يد السارق، إنما يطلب هذا وفق النص القرآني، وحيث أن هذا النص هو من عند الله، فبالتالي يصبح أي شخص يطالب بتأجيل الأمر أو عدم تطبيقه في الظروف المحيطة شخصا يعترض على الوحي، وعلى ما عند الله. ومهما قام الطرف المطالب بتأخير تطبيق الحدود من حجج ونقاشات عقلية ونقلية، فكل هذا لا ينظر له ولا يؤبه به أصلا، وإن كان هناك نقاش حوله فالنقاش ليس للوصول لحل وسط، أو لقناعة يقبلها الطرفان، بل الهدف الأساسي هو أن يوضح الطرف «الإسلامي» للطرف المقابل خطأ وجهة نظره وقصورها واستحالة القبول بها.

وحقيقة الوضع أنك حين تنظر للطريقة التي يتعامل بها الكثيرون مع السلطات، أو يتعامل بها الأزواج مع الزوجات وبالعكس، فإن هذه الطريقة في التفكير تكون مستبطنة تماما في هذه المواقف. فعلى سبيل المثال، ترى في بيوت كثير من المسلمين، خاصة الإسلاميين، أن كل طرف يحاول أن يحور ما بين يديه من الآيات والأحاديث والنصوص الشرعية كي يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الطرف الآخر قد قصر في حقوقه. وهي نفس الطريقة التي تعامل بها الإسلاميون مع حكومات الدول الإسلامية على مدار قرن كامل.

ما الطريق إلى الخروج من هذه الدائرة المفرغة؟

يجب أن نتقبل وجهة نظر الطرف الآخر. ولا أعنى بالقبول هنا أن يقول كل شخص أن رأيه صواب لكنه يتقبل «وجود» الرأي الآخر، فالقبول هنا مقصود به أنه يتقبل احتمالية صحة وجهة النظر المقابلة. ولعل من المشهور هنا قول الشافعي رحمه الله «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».

نظرا لأن النظم التعليمية في مصر وغيرها من الدول الإسلامية غالبا تربي على رفض الفكر المختلف وشيطنة الطرف الآخر، فلا بد من تغيير هذه النظم. ولكن حتى يحدث هذا فلا بد أن يقوم كل شخص بواجبه.

اقرأ كتابا يحمل فكرة مختلفة

شاهد فيلما يحمل فكرة مختلفة

ناقش شخصا يحمل فكرة مختلفة

وأثناء هذا كله، لا تفعل هذا بنية الرغبة في تبيين الأخطاء الموجودة في الفكرة المختلفة، بل يجب أن يكون هذا بنية التعلم والاستيعاب للفكرة المختلفة.

لو قام كل منا بهذا، ربما تغيرت نظرتنا لكثير مما نراه الآن، ولكن المؤكد أن حياتنا في كثير من المواقف ستصبح أقل تصلبا وأكثر استعدادا لقبول الرأي المخالف المختلف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العلاقة
عرض التعليقات
تحميل المزيد