لا يكاد يُذكر الخميس إلا ويتبادر إلى أذهاننا ذلك المشهد من مسرحية «العيال كبرت» حين يسأل سلطان (سعيد صالح) والدته زينب (كريمة مختار) عن آخر «قعدة عاطفية» مع والده:

ارتبطت ليلة الخميس في أذهان العربي اليوم بمعنًى غاطس في الحميمية بسبب ضغط العمل بقية أيام الأسبوع، حيث إن العطلة الأسبوعية هي الجمعة في معظم الدول الإسلامية، وهذا سبب الانتشار السريع لمقطع المنشد السوري «معن برغوث» الذي يرحب فيه بيوم الخميس بطريقة كوميدية، ليقوم عدد كبير من الشباب بدمجه في مقاطع ساخنة أو حتى إباحية، يتم تداولها بشكل واسع في وسائل التواصل. إلا أن مكانة يوم الخميس أقدم من هذا بكثير.

الخميس عند العرب

ليوم الخميس مكانة خاصة عند العرب منذ القدم، بلغت أن اختاره الديّار بكريّ اسمًا لأحد كتبه وهو (تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس) وذكر فيه أن الله خلق يوم الخميس ثلاثة أشياء السموات والملائكة والجنة([1]) وكان اسمه «مؤنس». ويقول عالم العربيات جواد علي في موسوعة (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام): أن الأصل في «الخميس» الجيش المنظّم الكبير الذي يحارب بإمرة وبنظام. وترد لفظة «خمس أو خميس» في اليمن القديم بمعنى الجيش. ومنه قول الشاعر (حضرتْ يوم الخميس الأخْماسْ) يعني الجيوش، ومن برود اليمن (جمع بُردة) المعروفة «الخمس»، ويقال لها أيضًا: الخميس.

ويقول القزويني في كتاب «عجائب المخلوقات» أن: «يوم الخميس يوم مبارك سيّما لطلب الحوائج وابتداء السفر».([2]) ويروي الزهري: كان أحبّ الأيام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعقد فيه رايته يوم الخميس، وكان أحبّ الأيام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر فيه يوم الخميس.([3]) ويُنسب إلى الإمام علي قوله: «إذا أراد أحدكم الحاجة فليبكّر في طلبها يوم الخميس»، وأنشد في ذلك:

وفي يوم الخميس طلاب رزق لإدراك الفــوائد والغنــاء

وكان الرسول يصوم الاثنين والخميس كما في مسند أحمد: قيل: يا رسول الله، لم تصوم الاثنين والخميس؟ قال: «إن الأعمال تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس». ولذلك أنشد الشاعر الملقب «ديك الجن» متذمرًا عن صيام الخميس لأنه يوم سكر وشراب:

صُبّا عليّ الكأْسَ إنّ هلالنا قد صبَّ نعمته على الثَّقَلينِ
لا زال من بُغض الصّيام مبغّضًا يومُ الخميس إليّ والاثنين

وقال غيره:

لم أزَل أُبغض الخميس ولم أدرِ لماذا حتّى دهاني الخميسُ

ويذكر الجاحظ قصة أبو يعقوب البخيل الذي قال: ما فاتني اللحم منذ ملكت المال، وخصص يوم الخميس لأكله. ([4]) ويروى أن قومًا استسقوا يوم الخميس فمطروا. فنظر إليهم بعض المشائيم وهم منصرفون فرحين بالسقايا فقال أحدهم: والله ما بي إلاّ أنهم يظنون إنَّ الله استجاب لهم. والله ما مطروا إلاّ أني غسلت ثيابي اليوم والله ما غسلتها قط إلاّ تغيمت السماء ومطرة ولا بأس فليرجعوا إلى خميس آخر: فإنَ مطروا فليحلقوا لحيتي! ([5])

الخميس في الشعر العربي

وردت أبيات شعر كثيرة تذكر يوم الخميس بأنه مناسبة للهو والملذات منها ما نقله المقدسي في «البدء والتاريخ»:

وفي يوم الخميس قضاء حاجٍ وفيه الله يـأذن بالقضــاء
وفي الجُمعـات تزويجٌ وعـرسٌ ولذات الـرجالِ مع النسـاء([6])

وقال الفضل بن عيسى:

ألستَ ترى طيبَ يومِ الخميس بدا في تلون زيِّ العروسِ([7])

ومن لطائف المنقول عن قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان، أنه كان يهوى زين بعض أولاد الملوك، وقد كان اشتهاء الذكور شائعًا في ذاك العصر:

لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ألقاه من كمدٍ إذًا لم تركب([8])

وقال عريب رمل في شرب الخمر يوم الخميس:

سقيا لمجلسنا الذي كنّا به يوم الخميس جماعة أترابا
في غرفة مطرت سماوة سقفها بحيا النعيم من الكروم شرابا([9])

وفي مصارع العشاق ورد:

وقرّبوا يوم الخميس الناسي وقدموا الكاس لكل حاسي

وروي ابن المولى لما ذهب إلى العراق طال مقامه هناك وشاق وتشوّق إلى المدينة فقال في ذلك:

ذهب الرجال فلا أحسّ رجالًا وأرى الإقامة بالعراق ضلالًا
وطربت إذ ذكر المدينة ذاكر يوم الخميس فهاج لي بلبالًا

وأنشد الشاعر العباسي عبد اللّه بن أيوب التيميّ:

شربت من الخمر يوم الخميس بالكاس والطاس والقنقلِ
فـما زالـت الكأس تغتــالنا وتــذهب بــالأول الأولِ
إلى أن توافت صلاة العشــاء ونحن من السكر لم نعقلِ
فمن كان يعرف حق الخميس وحــقّ المُدام فــلا يجهلِ

والعرب يستذلّون الصّيد يوم الخميس، فمن ذلك قول عمرو بن معد يكرب:

نصل الخميس إلى الخميس وأنتم بـالقهــر بين مربّــق ومكلـّب

وقال أبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي في صيد الخميس أيضًا:

ركبوا إليها يوم لهو قنيصهم في زيهم يوم الخميس المُصْحرِ

الخميس عند الشعوب الأوروبية

نتيجة بحث الصور عن ثور في لوحة لمارتن إسكيل فينغه 1872

«ثور» في لوحة لمارتن إسكيل فينغه 1872

يعتبر الإستونيون يوم الخميس عطلة فهو يوم الإله «ثور» وليالي الخميس هي ليالي ثور. وفي معظم اللغات الرومانسية، يدعى يوم الخميس باسم الإله الروماني المشتري، الذي كان إله السماء والرعد. لذلك اسمه اليوم بالإنجليزية (Thursday (Thor’s Day بمعنى يوم الإله «ثور» حامل المطرقة المرتبط بالرعد والبرق والعواصف في الأساطير الإسكندنافية.

ووصلت هذه الأساطير إلى المسلمين، فقال مقدسي في كتاب «البدء والتاريخ» يقال إن الله خلق المشتري يوم الخميس، فلذلك نسبت الأيام إليه فيقال رب يوم الخميس المشتري([10]) واشتقاق اسم يوم الخميس في أغلب لغات العالم اليوم (اللاتينية والألمانية والإسبانية والفرنسية والرومانية وغيرها) يعود إلى إله المشتري. وقال شاعر العرب:

قم فاسقني قبل الصّباح المسفر يوم الخميس على طلوع المشتري([11])

وفي التقاليد الدينية، يحمل الخميس قداسة خاصة، ففي المسيحية هناك الخميس المقدّس الذي يسبق عيد الفصح، وهو في بريطانيا جزء من الأسبوع المقدس. وفي الكنيسة الشرقية الأورثودكسية يكرّس الخميس للقديس نيكولاس وللحواريين. وفي الولايات المتحدة عيد الشكر هو رابع خميس من نوفمبر. أما في اليهودية، فيُعد الخميس يومًا ميمونًا لا يجوز فيه الصيام، ويستحب صيام الجمعة بدلًا عنه، وتقرأ في صبيحته علنًا مزامير وأسفار توراتية. كما تتلى فيه صلوات خاصة. ([12])

فكما نرى، مكانة الخميس ضاربة في جذور أساطير شرقية وغربية وأديان وعادات شعوب مختلفة، اتفقت كلها على مكانة هذا اليوم الاستثنائي، ولا يبدو السبب واضحًا خلف هذا الاهتمام بسبب تباين الثقافات والتقاويم والمناسبات الدينية، فمصر القديمة مثلًا لم أجد أنها تخص الخميس بشيء، ربما لأن الأسبوع المصري كان عشرة أيام وليس سبعة. لكن الذي لا شك فيه أن رمزية الخميس ستبقى ثيمة الحب في هذا الجيل ومناسبة للمرح وحسرة العزاب نهاية كل أسبوع، وهلا بالخميس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

([1]) الخميس للديار بكري
([2]) الأساطير العربية قبل الإسلام، محمد عبد المعيد خان، ص47
([3]) عيوان الأخبار، 1/202
([4]) البخلاء 162
([5]) زهر الأكم في الأمثال والحكم 2/ 77
([6]) البدء والتاريخ 2/ 55
([7]) سرور النفوس 263
([8]) ثمرات الأوراق في المحاضرات 1/ 29
([9]) الأغاني 3/ 181
([10]) البدء والتاريخ 2/ 54
([11]) دمية القصر وعصرة أهل العصر 1/ 60
([12]) wikipedia: Thursday
عرض التعليقات
تحميل المزيد