كثيرون يتساءلون عن سر اختفاء جثث وأسرى مسلحي تنظيم الدولة، وعدم وجود أثر لهم يتناسب وحجم ما قدر من عددهم على أرض المعركة والبالغ 32 ألف مقاتل في كلٍّ من العراق وسوريا بحسب تصريح لقائد التحالف الدولي الجنرال الأمريكي ستيفن تاونسند؛ ليتبين فيما بعد أن الحرب كانت ضد أشباح بعد أن عجزت القوات المهاجمة عن عرض صور لانتصاراتها كأكداس من جثث الأعداء على أقل تقدير، يأتي هذا بالرغم من تصريح لرئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية في البرلمان العراقي قال فيه: إن 28 ألف عنصر من مسلحي تنظيم الدولة قد تم قتلهم منذ إعلان الحكومة في بغداد بدء العمليات العسكرية في الأول من مارس (أذار) عام 2015، وفي تقرير للاستخبارات الحكومية عن معركة الموصل جاء مطابقًا لتقرير نهائي عن مدن أخرى، فلا جثث ولا أسرى من داعش والتقرير يفشل في تقديم تفسير منطقي.

المعارك في العراق وطوال عامين مضت لم تكن نظيفة بأي شكل من الأشكال، فالتحالف الدولي الذي قدم دعمًا لوجستيًا مباشرًا عبر طائراته وقواته المقاتلة على الأرض لم يكن ليرغب في أن تظهر للعلن جثث شوهتها آثار الحروق بفعل استخدام أسلحة محرمة دولية كالفسفور الأبيض وفق تأكيد لكبيرة مستشاري برنامج الاستجابة للأزمات في منظمة العفو الدولية دوناتيلا روفيرا، وبالتالي فالتحالف لن يقف ضد أية وسيلة يرى فيها إمكانية التخلص وتطهير الأرض من تلك الجثث، سواء أكانت لمدنيين أو لمسلحي تنظيم الدولة.

شركاء تحالف الحرب ضد داعش لم يكن يرغبون في اختفاء الجثث فقط، بل كان هناك عدم ممانعة أمريكية في عدم الاحتفاظ بأسرى أيضًا، حتى وإن كان بينهم مدنيون، وهو أمر تناولته صحيفة الديلي ميل البريطانية في تقرير لها نقلت فيه عن ضابط رفيع في الجيش العراقي قوله: إن السلطات في بغداد أعطت أوامر لقواتها بقتل أي شيء يتحرك في الموصل خلال المعارك ضد تنظيم الدولة، والإحصائية التي أفصحت عنها قيادات في التحالف الدولي عن عدد مسلحي تنظيم الدولة في العراق فتح شهية القوات الحكومية لقتل أي شخص يرونه أمامهم.

الانتهاكات التي جرت خلال معركة الموصل وثقتها بشكل مستمر منظمة هيومن رايتس ووتش ففي يونيو (حزيران) عام 2017، قالت لما فقيه، نائبة مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة: إنه بات العثور على جثت لرجال مكبلين ومعصوبي الأعين فصلًا متكررًا في المدينة والمناطق القريبة منها، وفي نهر دجلة تحديدًا، المنظمة نفسها، وبالأدلة ونقلًا عن شهود عيان أكدت أيضًا إن الفرقة العسكرية العراقية 16، والتي دربتها الحكومة الأمريكية أعدمت عشرات الأشخاص في الموصل القديمة كان من بينهم صبية وكبار في السن، ونقل التقرير عن سارة ليا ويتسن مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة قولها، إنه في الوقت الذي يحتفل فيه رئيس الوزراء حيدر العبادي بالانتصار في الموصل، يتجاهل طوفان الأدلة التي تثبت ارتكاب جنوده جرائم حرب في المدينة التي وعد بتحريرها.

تغاض لم تكن الحكومة في بغداد متورطة فيه وحدها؛ فقد أكد موقع بزفيد الأمريكي أن القوات الأمنية العراقية تنفذ عمليات قتل خارج إطار القانون في الموصل دون أن يكون للجيش الأمريكي أي موقف رافض تجاهها.

أدلة وبراهين تؤكد أن عملية تطهير طائفي وعرقي واكب العمليات العسكرية، وهو ما يوافق لما ذهبت إليه صحيفة الإندبندنت البريطانية التي نشرت تقريرًا لها في يوليو (تموز) عام 2017، أشارت فيه إلى أن قوات الأمن العراقية كانت تحرص على إعدام معتقلي تنظيم داعش، إما بإلقائهم من فوق المباني والمرتفعات أو برميهم بالرصاص؛ نظرًا لاعتقادهم بأن هؤلاء سوف يطلق سراحهم من السجون عن طريق الرشوة في حال تسليمهم لبغداد.

الموصل التي قتل فيها أكثر من 40 ألف مدني بحسب تقريرا لـباترك كوبيرن الكاتب في صحيفة آي البريطانية، لتطوى بعدها صفحة أقذر معركة في التاريخ المعاصر، ويعلن نصرًا، ولكن بتكلفة باهظة من انتهاكات حقوق الإنسان وفقًا للغارديان، يرد مشافي المدينة يوميًا حسب وكالة رويترز ما معدله 30 إلى 40 جثة ليتم حفظها في الثلاجات لمدة 60 يومًا، وفيما لو لم يراجع أحد لاستلامها، فإن جماعات لم يفصح عنهم يتكفلون بدفنها، ولكن السؤال أين تدفن؟ ولو عدنا بالزمن إلى الوراء قليلًا فخلال سنوات الاحتقان الطائفي بين عامي (2005- 2006) احتضنت مقبرة وادي السلام في النجف آلاف الجثث مجهولة الهوية من ضحايا القتل في بغداد ومدن أخرى، وحينما زاد العدد عن الحد المعقول تم تحديد قسم خاص في المقبرة لمجهولي الهوية، حتى أن المقبرة توسعت بشكل كبير لدرجة أنها زحفت نحو الصحراء باتجاه الحدود مع السعودية، فيما أكد عاملون هناك إن المقبرة تستقبل يوميًا مائة جنازة، ولكن هل جميعهم جنود أو مدنيون معروفوا الهوية؟ وهل من المستبعد أن يدفن فيها جثث تعود لعناصر من داعش في ظل عدم وجود من يسأل عنها، كما وأن الأمر يخدم أصحاب الأجندات الطائفية حين يستلزم الأمر حشد الشارع دعمًا لهم عبر عرض صور لما قيل أنهم شهداء الحرب المقدسة ضد الإرهابيين والتكفيريين.

ما حدث في الموصل يعيدنا بالذاكرة إلى الـ 10 من مايو (أيار) عام 2017 حيث اعترف القيادي في ميليشيا الحشد كريم النوري بأن جميع من قيل إنهم اختطفوا أثناء معارك الرمادي والصقلاوية والفلوجة في الأنبار والبالغ عددهم 2600 مواطن من قرب منطقة الرزازة وما زالوا مختفين قد تم قتلهم جميعًا بزعم أنهم لم يكونوا مدنيين، بل مقاتلين ضمن صفوف تنظيم الدولة.

وضمن معارك صلاح الدين فقد أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن ميليشيات الحشد قامت باعتقال مئات المواطنين بزعم الانتماء لتنظيم الدولة فيما لا زال الكثير منهم مختفي حتى اللحظة بعد أن نهبت وأحرقت مئات المنازل والمباني في تكريت وأقضية مجاورة لها.

وفي محافظة ديالى المجاورة لإيران، فنواب عن المحافظة يؤكدون أن عدد كبير من المدنيين المختطفين يقبعون في أقفاص حديدية تحت الأرض، وهي طرق جديدة وسرية للإخفاء القسري.

وإلى الجنوب من بغداد، وتحديدًا ناحية جرف الصخر شمال بابل، فإن سجون تديرها ميليشيا حزب الله العراقي هناك يقبع فيها آلاف المدنيين في وضع وصفه البعض بأنه مشابه لأفران الغاز في ألمانيا النازية سابقًا، حيث تفنى جثث المعتقلين هناك وتختفي بصورة لم تجد تفسير لها حتى الآن.

والنتيجة أن جثث داعش التي يتساءل عن مصيرها البعض، سيجد الإجابة عنها في أعماق دجلة، ومقابر جماعية، فضحتها لقطات صورتها هواتف مقاتلي الحشد لجرافات، وهي تدفن عشرات الجثث، والسجون السرية في منطقة الهبارية في النخيب ومعتقل أبو غرك بالحلة، ومعتقل الرزازة، ومعتقل صدر القناة، ومعتقل الخالص، ومعتقل الحنانة في النجف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد