إذا مشيت يومًا في شارع من شوارع مصر، وأوقفت شخصًا بسيطًا من المارة، وسألته كيف يرى الحل لما يجري في بلاده؟ فسيقول لك إن شرع الله هو الحل، وأنه يتمنى أن تعود الخلافة الإسلامية وأيام الصحابة من جديد. ولكنك ستصاب بالذهول إذا سألته عن البلد الذي يتمنى العيش فيه، لأنك ستسمعه يقول إنه يتمنى العيش في فرنسا أو كندا أو بريطانيا أو أمريكا – وكل هذه الدول هي دول ليبرالية – ولن تسمعه يقول إنه يتمنى العيش في السعودية أو باكستان أو إيران أو مالطة، أي هذه الدول التي تقوم على أساس ديني.

بدايةً، ما هي الليبرالية؟

الليبرالية هي فلسفة سياسية، نشأت في أوروبا في نهاية العصور الوسطى وفي بداية عصر التنوير – أي في القرن الثامن عشر – وتقوم الليبرالية على عدة أفكار مثل حرية الاعتقاد، حرية التعبير، حرية الاختيار، الحقوق المدنية والكرامة الإنسانية.

نشأت الليبرالية ردَّ فعل معاديًا للسلطة الدينية والكنسية على أوروبا في العصور الوسطى، والتي وصلت لذروتها في القرن الثامن عشر، فكان لابد من نظام يتخلص من هذه السلطة التي تقدس الحاكم وتعتبره خليفة الله في الأرض، وتعطيه الحق في أخذ ما يشاء، وامتلاك ما يشاء، والتحكم في حياة الأفراد، والتدخل في أمورهم الشخصية وغيرها من الانتهاكات.

تأصلت الأيديولوجية الليبرالية على أيدي الكثير من الفلاسفة والاقتصاديين في الفكر الغربي مثل جون لوك، توماس هوبر، جان جاك روسو، وفولتير… وكان لكل من هؤلاء منهج ليبرالي مختلف، ولكنهم اتفقوا جميعًا على خمسة عناصر أساسية وهي: حرية الاعتقاد، حرية التعبير، الحرية الشخصية، المساواة والكرامة الإنسانية.

لم يتحمل أولئك الفلاسفة السلطة الدينية والتدخل في الحياة الشخصية في القرن الثامن عشر، فما بالك ونحن الآن في القرن الحادي والعشرين وما زال هناك أصوات تنادي بدولة دينية سواء كانت إسرائيل أو جماعات مسيحية كجماعة فرسان المعبد وجماعة جوزيف كوني، أو جماعات إسلامية كجماعة الإخوان المسلمين وحزب النور السلفي.

معروف أن التعددية والثراء الفكري وطرح الأفكار والنظريات ومناقشتها وأخذ النافع منها وترك السيء هو سر التقدم، وهو أساس مهم من أساسيات العلم الحديث، ولكن إقامة دولة دينية سيمنعنا من هذا الأساس وسيقوم على تحجيم مساحة الأفكار، ووضع حدود للفكر ومعاقبة كل من يتعدى هذه الحدود. وهذا بالطبع سيرجعنا إلى الخلف ولن نتقدم يومًا إذا لم ندرك أن الفكر يُواجه بالفكر، والحُجة تُواجه بالحُجة، والمنطق يُرد عليه بالمنطق.

أيضًا تحت ظلال الدولة الدينية ستجد تحجيمًا للحريات الشخصية – دونًا عن الحريات الفكرية – واختيارات الأشخاص كما ستجد تحجيمًا للفنوان والإبداعات، وأساليب التعبير عنها.

أما بالنسبة للأقليات في الدولة الدينية فهم مضطهدون جدًا، فالأقليات وأصحاب المذاهب المختلفة لا يُسمح لهم بتقلد مناصب ومراكز عُليا في الدولة، حتى وإن أثبتوا كفاءتهم وتميزهم واستحقاقهم هذه المراكز. كما يُمنعون من نشر مذاهبهم والتحدث فيها على الملأ. أي إنك ستواجه عنصرية تجاه الأقليات، وهذا غيض من فيض.

وحتى وإن وافقنا على إقامة دولة دينية، فأي مذهب سُيطبق؟ ففي الإسلام مثلًا هناك العشرات من المذاهب الفقهية والآراء المختلفة حتى في أهم القضايا كالجهاد وحد الزنا وحد الردة والربا والموسيقى، وحتى وإن وجدنا حلًا لكل هذه الاختلافات، فما هي الآلية التي سندير بها البلاد؟ فهناك الكثير من المذاهب ترفض الديمقراطية، بل وتعتبر العمل بها كفرًا.

وإذا ضربنا بكل هذه الأسباب – النظرية والفلسفية – عرض الحائط ونظرنا إلى أرض الواقع فسنجد أن أكثر 30 دولة رفاهية وسعادة في العالم – وفقًا لدراسة أجراها مجلس الأمم المتحدة – لا يوجد منهم دولة دينية؛ لأن الدولة الدينية – من وجهة نظري – يفتقر شعبها إلى الحرية الشخصية والفكرية مقارنة بباقي الدول، كما يفتقر إلى التعايش والانسجام التام مع كل طوائفه، وهذه هي المعايير التي يقاس بها أكثر الدول سعادة.

وبالطبع هناك الكثير من الدول التي تطبق الليبرالية، وهناك أيضًا الكثير من الدول التي تدّعي الليبرالية والتحرر – في بعض المواقف على الأقل – مثل إنجلترا التي منعت دخول الداعية د. ذاكر نايك أراضيها واضطهادها لفكره، وفرنسا التي اتهمت الإسلام بالإرهاب بعد حادث «نيس» الأخير قبل حتى انتهاء التحقيقات، والولايات المتحدة الأمريكية التي انتهكت جانبًا أساسيًا من جوانب الليبرالية وهو الكرامة الإنسانية في أكثر من موضع مثل غزو العراق في 2003، وقصف الشعب السوري في الآونة الأخيرة بحجة مواجهة الإرهاب، وإسرائيل التي تضطهد اليهود الشرقيين والمهاجرين الأفارقة وتعزلهم عن الحياة الاجتماعية في أحياء جنوب تل أبيب، وهي أحياء سيئة جدًا، تفوق في قذارتها أحياء أوروبا في القرون الوسطى.

وقد بدا جليًا أمام العالم أن ليبرالية هذه الدول ما هي إلا قناع مزيف ترتديه لكي تحقق به مكاسبها، وتضرب بهذا القناع عرض الحائط إذا وقف أمام مصالحها.

فمتى يسود العالم التحضّر الحقيقي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الليبرالية
عرض التعليقات
تحميل المزيد