«ما قيمة حياتي إن لم أعد مفيدًا للآخرين» إحدى مقولات جوهان غوته. فقيمة الإنسان لا تكمن في تحقيق ذاته فحسب بل إفادة الآخرين بما حققه. فالنجاح ليس بما يراه الآخرون من نجاح شركة أو تحصيل ثروة فحسب ولكن بترك بصمة في أحدهم أو قدوة صالحة أو مساعدة للغير وتقديم الإفادة لهم. فيمكن لشخص بسيط أو عامل في مصنع أن يكون قدوة لرجل أعمال شهير في البساطة والتواضع.

أتذكر جيدًا امرأة تكافح من أجل توفير المال لزواج ابنتها تجلس إلى جانب من الرصيف لبيع الحلويات والعسلية وأنا ذاهبة إلى جامعتي وعلى الرغم من كم المشاكل التي تواجهها في حياتها إلا أنها تقابل الجميع بابتسامة لا تفارق وجهها. لقد علمتني معنى الأمل والتفاؤل في الحياة وهنا فهمت معنى القدوة الصالحة وكيف يمكن أن تكون مفيدًا لأحدهم بسلوك طيب ينبع منك أو ابتسامة تعتبرها مبدأ حياتك فتعلم غيرك وتؤثر فيه ويسير على دربك طوال حياته ويعيش سعيدًا، فأنت لعبت دورًا كبيرًا بحياته لذلك كان النبي هو قدوتنا لأنه أثر فينا وفي طريقة تفكيرنا.

فالقدوة ليست في كونك طبيبًا أو وزيرًا أو مهندسًا أو حتى رجل أعمال ولكن القدوة الصالحة لمن ترك بصمته في حياة شخص ما. فنحن محطات في حياة بعضنا البعض. فإن وقف قطار أحدهم على محطتك فلا تدعه يغادر دون أن تزوده بوقود الأمل أو تشحذ همته لتحقيق نجاح أو تقدم له أي نوع من أنواع المساعدة. فالإنسان خلق اجتماعيًا بطبعه لا يستطيع أن يعيش منعزلًا من وراء جدر. فوضع الله في حياة كل منا أناسًا لهم دور كبير في تغيير منحنى حياتنا.

يقول رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – «خير الناس أنفعهم للناس»، «أن يمشي أحدكم في حاجة أخيه خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا أربعين يومًا». ولماذا حدد النبي أربعين يومًا؟ لأن هناك حديثًا آخر يقول – صلى الله عليه وسلم – فيه «من صلى في مسجدي هذا أربعين يومًا كانت له براءة من النار ومن النفاق» فالنبي يحرص على وجود روح المساعدة وشد أزر الآخرين بدون مقابل فهي أصل الخير والنماء في المجتمع وفضل النبي مساعدة الآخرين عن الاعتكاف بما له من خير وفير. دائمًا المساعدة والتعاون هما مصل النجاح والتقدم. فالحياة عمل مساعدة وتعاون لتحقيق الخير وهكذا تصبح مفيدًا لغيرك.

الفتاة الصماء البكماء العمياء هيلين كيلر المثال الحقيقي لتحقيق الذات تمكنت بمساعدة معلمتها آن سولفيان – رفيقتها ونافذتها للعالم – من تعلم أسماء الأشياء التي تلمسها عبر تهجئة الاسم بالضغط على يدها بإشارات ترمز للحروف وبفضل معلمتها تمكنت هيلين من دراسة الحساب والجغرافيا والفلسفة وعلمي النبات والحيوان وأتقنت عدة لغات لذلك دانت لمعلمتها بالكثير وأرادت أن تستكمل مسيرتها في منح الأمل للآخرين. وهناك قصة أخرى لفتاة صغيرة كانت بحاجة إلى المساعدة فذهبت لإحدى الصيدليات وأرادت أن تشتري «معجزة» بدولار وعندما سألها أحد الواقفين مع الصيدلي «لماذا تريدين أن تشتري معجزة» ردت بأن أخاها – كما قال الطبيب – لن يشفى إلا بمعجزة فهو مصاب بورم بالمخ وهي معها دولار وتريد شراء تلك المعجزة الآن حتى تنقذ أخاها، فذهب معها ذلك الرجل إلى بيتها ورأى أخاها المريض وقرر أن يعالجه بدون مقابل مادي ونجحت العملية الجراحية ليتم تدريسها بعد ذلك في كلية الطب في أمريكا والعالم كواحدة من العمليات الناجحة للدكتور كارلتون أرمسترونج واحد من أكبر جراحي المخ والأعصاب في أمريكا. فالله يبعث لنا فرصًا كثيرة لمساعدة الآخرين فلا تتردد أبدًا في اقتناص الفرصة فهناك شخص بحاجة إليك.

على مستوى الجسد البشري نجد الحيوانات المنوية تخرج بأعداد هائلة لتقتحم البويضة. كل حيوان منوي يضغط برأسه على غلاف البويضة المحكم فتخرج إنزيمات محللة فتفتت جزءًا من الغلاف ويأتي الحيوان المنوي الثاني فالثالث وهكذا ليمهد الطريق لذلك المختار الذي يفتت آخر جزء من الغلاف ويلقح البويضة ويحدث الإخصاب، فكل حيوان منوي يمهد الطريق لآخر فيسهل عليه الطريق. ونرى التعاضد أيضًا عندما يغزو ميكروب الجسم فتقوم الخلايا المتعادلة – نوع من أنواع خلايا الدم البيضاء – بمهاجمة الميكروب والتهامه أو إفراز موادها القاتلة ومطاردة الميكروب وتموت تلك الخلايا من سموم الميكروب ويتكون صديد وبالتالي تفرز الإنترليوكينات التي تستغيث بالمنطقة المنظمة للحرارة بالمخ لإحداث الحمى فكل ما في الجسد يتعاون ويساعد بعضه بعضًا للقضاء على المحتل. فليس هناك عضو واحد بالجسم يستطيع العيش وحده بدون الشعيرات الدموية التي تمده بالغذاء أو الأعصاب التي تمده بالإشارات العصبية وكل ما في الجسد من أصغر الأيونات التي لها دور كبير في تحقيق الضغط الإسموزي وانقباض العضلات وغيره إلى أكبر الأعضاء يؤدي وظيفته ويساعد غيره لتتكامل تلك السيمفونية الكونية بداخلنا.

في مملكة النحل نرى التعاون بأسمى صوره كما أن رائحة الملكة شيء مقدس بالنسبة للنحل فتلك الرائحة تشعرهم بالاطمئنان وإذا اختفت الرائحة تصاب الخلية بحالة من البؤس وفورًا يقوم النحل باختيار ملكة جديدة كأنه يحرص على وجود حالة من النشاط والإنتاج والطاقة الإيجابية في مملكته ويمقت أي شعور بالبؤس فالملكة تبعث الأمل في الأفراد العاملين فالمساعدة هنا معنوية وكبيرة جدًا في أثرها، ونرى العجب في بيت النمل ونرى الشغالات تقوم بدور كبير جدًا فهي تمنح عددًا من بيضها غير الملقح لليرقات لتقتات عليه وتنقلها إلى الأدوار العليا بالنهار وتنزلها للأدوار السفلى بالليل من أجل توفير الحرارة المناسبة لها، بالإضافة إلى أنها تعتني بالملكة جيدًا فالشغالات لها دور كبير فهي تعمل كثيرًا من أجل تحقيق الفائدة وبدونها تنهار المملكة، فالملكة لم تقل «إنني أنا الملكة أستطيع أن أقوم بكل شيء» بل إنها كانت بحاجة للشغالات.

فكل منا بحاجة لغيره فالموظف بحاجة للسائق ليوصله لمكتبه والتلاميذ بحاجة لمعلم ليعلمهم ورجل الأعمال بحاجة لمهندس ليصمم له شركته والمهندس بحاجة لعمال البناء ليبنوا الشركة والمرضى بحاجة إلى طبيب، إذن فنحن دائمًا بحاجة أحدهم ولا أحد يعلو عن الحاجة لأن فقط من لا يحتاج إلى أحد هو الله. لذلك اعمل دائمًا كن مفيدًا لغيرك كن أول من يبعث فيهم الأمل ويشحذ همتهم واعلم جيدًا أنك بقدر ما ساعدت غيرك بقدر ما ساعدك الآخرون. ففي اللحظة التي تتوقف فيها عن مساعدة غيرك فاعلم أنك أصبحت بلا حياة. كن كالنبات الذي يمنح غيره الأكسجين ولا يدري أنه يستفيد هو الآخر منهم حين يحصل على ثاني أكسيد الكربون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات