تعاني مهنة الصيدلة معاناة كبيرة جدا، وهذه المعاناة ليست وليدة اللحظة إنما هي مزمنة ومستمرة، كما هي جميع مآسي وأمراض هذا الوطن الجريح منذ وقوعه فريسة للديكتاتورية العسكرية واحتلاله من قبل طغمة عسكرية تترادف على حكمه منذ عام 1952 وحتى الآن.

اُمتهنت رسالية مهنة “الصيدلة” وأُهينت بعد أن أصبحت مهنة من لا مهنة له، وخرجت من طور”الرسالية” و”المهنية” إلى “التجارية” و”الربحية”، فخريج الدبلوم الفني له أن يفتح صيدلية ويديرها بشرائه اسم صيدلي بثلاثمائة جنيه في الشهر، وللمدرس كذلك، وخريجو كليات العلوم وكليات الطب البيطري فالفرصة لديهم أكبر، فإلى جانب فتح الصيدليات، لهم أن يمارسوا مهنة الدعاية الطبية لشركات الأدوية والمستحضرات الطبية.

معاناة الصيدلي ومأساته لا تقف على فترة معينة ولا مرحلة معينة، ولا هي أسيرة وقت معين، لكنها مزمنة ومستمرة منذ حصوله على درجات كليات القمة، فعينه تارة على عدد سنوات كليات الطب ومصاريف دراساتها، وتارة على ظنه بمستقبل مضمون مع لقب يا “دكتور”_هكذا يظن_.

 

وفيما يلي بعض مظاهر معاناة الصيدلي:

الصيدلي طالبًا

بعيدًا عن اللغة والمصطلحات العلمية الجديدة ومصادر المذاكرة وطرق المذاكرة، يعيش طالب الصيدلة بين الضفادع وكليات العلوم، وينمو الطالب في السنة الأولى من حياته الجامعية والتي تسمى سنة “الإعدادي” تحيطه أعين من الحقد والكراهية من طلبة كليات العلوم إلى جانب تعنت أساتذة الكليات وتذمرهم الدائم ودرجاتهم القاسية والمؤلمة.

 

كما تزداد معاناة الطالب بكليات الصيدلة من عقم المواد الدراسية والتي مثلا لم تتغير منذ عقود في جامعة عريقة مثل جامعة القاهرة، مع عدم مواكبتها لسوق العمل، مع الاهتمام بمواد دراسية معينة مثل مادة “الفارماكوجنزي” و”السيوتيكالز” على حساب مواد مهمة أخرى أهم للصيدلي في حياته العلمية والعملية كـ”الفارما” و”الباثولوجي”.
الصيدلي خريجًا

حصل الطالب على شهادته وأصبح صيدلانيًا، والدكتور “راح” والدكتور “جه” وهو لايعلم من مهنته إلا شذرًا من “الفارما” وبعض ما سمحت له إجازته أن يتدرب في صيدلية من الصيدليات الخاصة على يد شخص لديه خبرة في الصيدلية، سواء خريج دبلوم أو غيره من المؤهلات التي تقتات على المهنة.
فلو أن هذا الصيدلي من أسرة ميسورة الحال، ووالده يتحمل تبعاته حتى بعد تخرجه، سيجهز له صيدليته التي تتكلف في متوسط الحالات من 50000 إلى 100000جنيه، ليبدأ رحلته التجارية مع المبيعات والخصومات والبوانص والمطالبات والإكسبيرد.

أما إذا كان شابًا عصاميًا “طالع على دراعه” وليس معه ما يمكنه من فتح صيدلية، فسيتجه نحو البحث عن عمل سواء بالدعاية الطبية أو في الصيدليات الخاصة.

ولك أن تتخيل أن عمل الصيدلي في الصيدليات الخاصة بالساعة، وأن ساعته تتراوح من 100 إلى 120 جنيهًا بالساعة!

 

اصبر ولا تستعجل بحساب عدد الساعات، لأن هذه ساعة شهرية يعني 30 ساعة في الشهر ب100جنيه وهذا يعني 300ساعة في الشهر ب1000جنيه 10ساعات يوميًا لمدة 30يومًا بدون إجازة.

 

الصيدلي الحكومي

 

أما إن استلم الصيدلي تكليفه فقد وقع أسيرًا للبيروقراطية الحكومية الغاشمة، فعليه أن يستلم عهدته ويسجل في دفاتره، ويذهب على حسابه ليستلم طلبياته، وعليه أن يدلل عماله ليساعدوه في حمل الأدوية، ويكون كريما معهم في “الشاي والسجائر”، ثم يكون فريسة سهلة بين يدي مدير العيادة ومديرها الإداري والتفتيش الصيدلي والشطب والتعامل مع المرضى والجمهور خشية الغرامات والخصومات.

يكاد الكادر الصيدلي الحكومي لا قيمة له في المجال الصحي فنيا ولا إداريا، فهو ابن البطة السوداء، فهو درجة ثالثة في كل شيء، فلا يستطيع أن يصبح مديرا للعيادة الطبية، أو مديرًا للإدارة الصحية، ومن المستحيل أن يكون وزيرًا للصحة.

 

الصيدلي المغترب

وبعد أن يضيق به الحال في وطنه، فعليه مجبرا أن يسعى للحصول على تأشيرة للعمل “عاملا” في صيدلية السعودي والكويتي والخليجي.

فهو تحت سطوة “الكفالة” ورحمة “الكفيل” وتعنت “المحاسب” وكبر “المشرف” وسماجة “البدوي”، يعيش يومه مكتئبا مضطربا متأسفا على ما وصل له حاله، بعقد عمل غير آدمي لمدة عامين بدون إجازة ب 12ساعة عمل يوميًا، حتى الجمع والأعياد براتب لا يرقى لراتب سباك أو كهربائي.

 

“إنت يامصري” هكذا يناديه “البدوي”.

 

الصيدلي الحر

عاد الصيدلي من الخليج بـ”القرشين” ليفتح صيدلية ليتاجر بالأدوية ويبيعها وكأنه “سوبر ماركت” أو “دكان بقالة” محصور بآماله وأفكاره وعقله داخل أسوار ال “25” م مساحة الصيدلية، و محاط بالبامبرز والأولويز”المضغوط” و”السويت بالبنج”، والأرفف الممتلئة بمرارة الأيام والسنين.

 

وفوبيا البديل وعدم الثقة في “الذي يقف في الصيدلية” هل هو صيدلي أم غير صيدلي؟ تجعل شعار العلاقة بين ال”عايز زي دول يا دكتور بس مش عايز بديل” وبين الصيدلي علاقة ساخنة ومؤلمة.

 

والصيدلي الحر صديق الأسرة جميعها وحضنها الدافئ، من طفلها الصغير بمغصه وتسلخه وسخونته، والأم بألوزها وسويتها وفاجينال دشها، والأب بقوة حصانه وحجر جهنم وسنافيه.

 

وعدو الصيدلي الحر وغمه وحزنه يأتي نهاية الشهر حيث مطالبات الشركات وفواتيرها وإكسبيرد الشهر والسداد والإيجار والرواتب، وهكذا لا تقف دورته الشهرية عند هذا الحد لكنها مستمرة ومزمنة طوال العام.

الصيدلي والنقابة

 

شعار الصيدلي مع نقابته “البعد عنها غنيمة” فالنقابة بالنسبة للصيدلي ما هي إلا “محصل أموال” فقط، ومنذ أن تتفتح عيناه على النقابة، لايرى فيها إلا صراعًا سلطويًا بين الإخوان المسلمين وخصومهم، ورغم أن نقابة الصيادلة تعتبر مغلقة “بالضبة والمفتاح” لإدارة الإخوان منذ سنوات _نظرا لقوة التنظيم ووجوده في جميع أنحاء الجمهورية وعيوب في إدارة العملية الانتخابية_ إلا أن المتابع لشأن مهنة الصيدلة لا يجد حلولا جذرية لمشاكل النقابة المزمنة والتي كما هي منذ سنوات:

 

-علاقة الصيدلي الحر بالشركات وبالضرائب والإكسبيرد ونسبة هامش الربح.

-الاسم العلم للأدوية و للمستحضرات الطبية.

-الكادر الطبي للصيدلي الحكومي.

-مافيا الأدوية وشركات “بير السلم” والفساد الدوائي.
-هيئة مستقلة بالدواء وإداراته.

 

الصيدلي الزوج

 

ونظرًا لتواجد الصيدلي الدائم بالصيدلية إما خوفًا وهلعًا من التفتيش الصيدلي، أو خوفًا من السرقة وتشويه سمعة الصيدلية من قبل العاملين فيها، تجده مقصرًا في حق بيته وأطفاله إما عذرًا أو هربًا من مشاكل البيت وصداع زوجته والأطفال، كما أنه يفتقر للدور المجتمعي والعلاقات الأسرية، فيجرم في حق نفسه وأسرته ومجتمعه.

 

وأخيرًا،

ونظرًا لاهتمامات الصيدلي المادية والتجارية، وتعلقه بالمبيعات اليومية و”التارجت” وارتباطه القوي بالأموال والنقود أخذًا وإنفاقًا في كل حياته، فقليلا ما تجده صاحب عمل سياسي أو نهج نضالي أو حركية مجتمعية، ويتمتع جل الصيادلة بالسلبية والسلوك الكنبي_من حزب الكنبة_ في أفكارهم وآرائهم وأطروحاتهم، فالحس السياسي والقيمي نادر في عمل الصيدلي العام.

وهذا كله وغيره ما لا يتسع ذكر معنى أن تكون صيدلانيًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد