لطالما تُطربُ الآذان بالأقوال الطيبة التي تبرق حسنًا في سماء الأفكار والآراء، لقد هبَّ المؤمنون على كتاب الله العظيم تعليمًا وتدريسًا وتفقيهًا، تراهم يُعلمون أولادهم كتاب الله الكريم (القرآن العظيم) منذ نعومة أظافرهم، تسل الواحد منهم لم هذا؟ يرد قائلًا: إنه كتاب الله المجيد، الصاحب الحسن، والصديق النافع، والمُعين الراشد، والهادي إلى سبل الرشاد.. ولذلك كان البيان النبوي الساطع: «خيرُكم مَن تعلَّم القرآنَ وعلَّمه».

لكن لو قلت للبعض منهم: ما الجوانب التي تُعلِّمها ولدك في القرآن غير التلقين والحفظ؟

لا تكاد تسمع جوابًا إيجابيًّا من هذا البعض! لأنه أغلق لُبَّه على أن الحفظ للقرآن كفيل بالنجاة وتحقيق السعادات الدنيوية والأخروية!

لا يعلم هذا البعض أن من أعظم أسباب انحراف القوم هو حفظهم القرآن الكريم دون تفقه وفهم؛ حتى إنهم كانوا يرفعون المصحف على أسنة السيوف طالبين تحكيمه في شؤونهم وأمورهم؛ حتى غدا الالتجاء إلى كتاب الله الكريم سُبَّة عند الجهَّال؛ لما يرونه من سلوك بعض حملة القرآن العظيم المُخالف لما قرره الإسلام من الحب والسماحة والعدل. كل هذا مما يحزن القلب ويُدمع العين كان سببه الأسمى هو «الغرور بالحفظ» وإهمال التفقه والتفهم للمعاني القرآنية الجليلة.

الواجب على الآباء وأولياء الأمور أن يفطنوا لهذا الجانب ذي الأهمية الكبيرة، وأن يهتموا بتعليم الأولاد الفهم الرشيد والفقه السديد لكتاب الله الكريم؛ ليرفعوا رايته أعالي القمم، ويُنيروا بضوئه البهي ظلام هذا العالم الغارق في متاهات الفكر الحائر! قال الله العظيم: «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا».

جوانب الاهتمام

إننا إذ نُحثُ على التفقه في كتاب الله؛ نُريدُ من ذلك أن نكون على المستوى اللائق بنا كمسلمين من الفهم للدين فهمًا سليمًا لنستطيع أن نبلغه لغيرنا كما بُلِّغ إلينا نقيًّا سديدًا بعيدًا عن الإفراط أو التفريط، ولذلك فإنه ينبغي أن نلتزم بعدة أمور في سبيل ذلك، وهي:

1. أن نختار بداية الشيخ الموفَّق والمُعلِّم المُسدد ليكون زادًا للولد في الحفظ والقراءة الصحيحة.

2. بعد أن نحسن اختيار المعلم الحافظ؛ علينا أن نختار الفقيه الراشد ليفقِّه ويُدرِّس هذا الولد ما يحفظه من كتاب الله، عز وجل، حتى يكون على علم بما يحفظ من القرآن، ولا تتراكم عليه الآيات الكثيرة والسور الطوية فيأتي بعد ذلك فيتخلله الكسل ويغشاه الخمول.

3. هذا المُفسِّر الفقيه الذي يربي الولد على الفطرة النقية المتمثلة في القرآن الكريم قد قام بأهم صنعة في الحياة؛ ألا وهي تثبيت النقاء والصفاء في القلوب صغارًا ليكونوا كبارًا، لكن مع هذا لا بد من انتقاء المربي الحاذق لتعريف الولد على نبي الله، عز وجل، وتعليم سنته، وأهميتها، وكيف يتوسط بين جفاء القرآنيين وتشدد التراثيين، وكيف يفهم ما فهمه الصحابة الكرام وتابعوهم الأكابر من السُّنة النبوية العطرة.

4. إن أحسن الآباء السالف مما ذكرنا؛ نشأ الطفل واعيًا فطنًا مؤمنًا فيدخل المعاهد والمدارس فيتلقى ما سيتلقاه من شتى العلوم المختلفة، حتى ينتهي من تعاليمه الجامعية وقد تركبت فيه القوة الإيمانية العلميَّة التي لا تقدر رياح الضلال والاستبداد على تحطيمها، هذه القوة التي تجعل من هذا المؤمن دعوة متحركة في حياة الناس، تبثُ الخيرات بينهم وتبعث فيهم روح المجد والعدالة التي حطمتها أنفاس المفسدين.

ولا شك أن هذا من الواجب الديني الذي دعا إلى إحسان ما يعول المرء، والاهتمام بالأبناء والرعية ؛ فالنبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته».

وقد قابل الدين هذا الإحسان بالجزاء الأحسن منه عندما جعل دعوة هذا الولد لوالديه بعد مماتهما مقبولة عند الله يعطيهما عليها الثواب العظيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا مِن ثلاث: صدَقَة جارية، أو عِلم ينتفع به، أو ولَد صالح يدعو له».

لماذا القرآن؟

أقول لك لماذا نُحثُّك على تعليم القرآن الكريم وتعلمه:

أولًا: لأنه السبيل إلى الرقي الفكري للوصول السليم لذروة الإيمان الصحيح، لقد دعا القرآن أول ما دعا إلى عدم الرضا بفكر تائه أو دعوى بغير حجة قوية، ودعانا إلى عدم التصديق إلا بالبرهان الساطع فقال: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ».

ثم تمعَّن في الحث القرآني على التفكر السليم الموصل إلى النتائج اليقينية التي تزيد المؤمن إيمانًا:

«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ».

«قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ».

«أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ».

«أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ».

«أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا»

«أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ».

ثانيًا: إن به لصرحًا عميقًا من الدعوة إلى العلوم لبناء الحضارات، وإقامة العدل في الحياة، كما ضمن التكافل الاجتماعي بين الناس في المجتمع الواحد. كل ذلك من خلال منهجه العظيم، انظر كيف قرن الله تعالى قراءة كتابه بالعمل الصالح الذي يعود أثره على الناس والله يقول: «إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ»

ثالثًا: القرآن الكريم يرسِّخ المبادئ العامة للحياة الكريمة بين الناس كلهم على اختلافهم الديني والعرقي. انظر إلى ترسيخه للمبادئ الأساسية للسلام بين الناس بعضهم بعضًا، وكيف تكون الحياة بدون غش أو إسفاف:

«قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ».

«وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ».

«قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ».

ويقول النبي: «مَن غشنا فليس منا» ، «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، واسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».

رابعًا. إنه – أي القرآن الكريم- طريق موصل إلى النعيم المقيم المُدَّخر في دار الدوام بعد هذه الفانية القصيرة. انظر ماذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم، في فضل كتاب الله: «وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَأْتِي صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ،فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ بِالْهَوَاجِرِ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ،وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ لَهُمَا: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا».

ماذا ترتب على تحقيق الفهم الراشد للقرآن في الحياة؟

لقد تحقق في أرض الواقع ما أدهش العالم كله من روعة البناء الإنساني، والاهتداء الحضاري الذي أُنشئ حين تجسد القرآن في الحياة حاكمًا ومُعينًا، لقد حوَّل من بيئة ملؤها العصبيَّة والتنازع والفحش، إلى بيئة تسودها الحب والتضحية والفداء من أجل الحق والحقيقة، وهذا ما كان في بيئة الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، حينما بُعثَ بالهدى ليأخذ الناس إلى السلام والإسلام.

وهذا ما علمه أكبر باحثي الغرب بعد بحث واطلاع، يقول جوستاف لوبون في حضارة المسلمين والإسلام: «ولم يقتصر فضل العرب والمسلمين في ميدان الحضارة على أنفسهم؛ فقد كان لهم الأثر البالغ في الشرق والغرب، فهما مدينان لهم في تمدنهم، وإن هذا التأثير خاص بهم وحدهم؛ فهم الذين هذبوا بتأثيرهم الخلقي البرابرة، وفتحوا لأوروبا ما كانت تجهله من عالم المعارف العلمية والأدبية، فكانوا ُممدنين لنا وأئمة لنا ستة قرون، فقد ظلت ترجمات كتب العرب ولا سيما الكتب العلمية مصدرًا وحيدًا للتدريس في جامعات أوروبا خمسة أو ستة قرون. فعلى العالم أن يعترف للعرب والمسلمين بجميل صنعهم في إنقاذ تلك الكنوز الثمينة».

و يقول توماس كارليل: «لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب وأن مُحَمَّدًا خَداع مُزور، وآن لنا أن نُحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لنحو مائتي مليون من الناس. إن الله أخرج العرب بالإسلام من الظُلمات إلى النور، وأحيا به من العرب أمة هامدة، فأرسل الله لهم نبيًّا وما هو إلا قرن بعد هذا الحادث حتى أصبح لدولة العرب رجل في الهند ورجل في الأندلس، وأشرقت دولة الإسلام حقبًا عديدة ودهورًا مديدة بنور الفضل والنبل والمروءة والبأس والنجدة ورونق الحق والهدى على نصف المعمورة».

ثم إنه حقق الحضارات بعد النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، عندما سار اتباع النبي على دربه المشرق يُطبقون سنته في مشارق الأرض ومغاربها فكان الزمن العادل، والحرية الراشدة، والنور الهادي.

لكنَّ اليوم ونحن واقعون في مستنقع الذل والمهانة والتخلف؛ لا يسعنا إلا أن نتحسَّر على ما فات منا في تضييع الإصغاء إلى القرآن الكريم، وأن نتدارك خطأنا بالرجوع إليه والسعي لسنة النبي الأكرم حتى نحقق ما يحمله الدين لأرض الناس.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد