مستويات التغيير

يظلُّ التغيير هو الغاية المنشودة والسمة المشتركة بين كل الثورات التي قامت وستقوم على مدار التاريخ الإنسانيّ. مهما اختلفت أشكال هذا التغيير وأهدافه المنبثقة عنه. فعادة ما تندلع الثورات مطالبة بالتغيير من الظلم إلى العدل، ومن العبودية إلى الحرية، ومن الفاقة إلى سَعَة العيش، ومن الإفساد والفساد إلى الإصلاح والصلاح، ومن الفوضى إلى النظام، ومن التسلط والسلطوية إلى الاستقلال، ومن الإجرام والإفلات إلى المحاسبة والمسؤولية، ومن المحاباة إلى المساواة. تقوم الثورات ضد أنظمة ظالمة فاسدة، تفرز بصورة ممنهجة أو عشوائيةثالوث تخلف الأمم: الفقر، الجهل، المرض.

ينطبق هذا بطبيعة الحال على ثورات الربيع العربيّ الذي ما لبث أن أضحى خريفًا في كل البلدان التي ثارت، بداية بتونس الخضراء وانتهاء بسوريا ومرورًا بمصر وليبيا واليمن. صحيحٌ أن الخريف على أحوال عدّة، فلم تتكبد تونس شيئًا يذكر في حين فقدت مصر ثورتها بالكامل وعادت لعصور ظلام أحلك من نظام مبارك نفسه، ودارت الحروب الأهلية في ليبيا واليمن، بينما أصبحت سوريا كارثة الإنسانية في عصرنا الحاضر. كأننا أمام بلاد الربيع العربيّ كمثل يضرب للعبرة لكل شعب عربيّ تسوّل له نفسه أن يثور ضد الطغمة الحاكمة. داهم الخريف ثورات الربيع العربيّ فما كادت أن تهنأ تلك الشعوب فترة وجيزة حتى تبددتكل أحلامها في التغيير.

بيد أن للتغير مستوى آخر، خَبِرَهُ كلُّ من عايش أيًّا من هذه الثورات، وهو التغيير على مستوى الأفراد والأشخاص، التغيير الذي حدث في نفس كلِّفرد من الأجيال الثائرة.

قام أحد زملائي منذ أيام في دورة لغوية ليتحدث عن نقاط التحوّل والتغيير في حياته، فذكر من بينها ثورة الخامس والعشرين. توقَّفت طويلًا، فأنا كذلك أعدها من نقاط التحوّل في حياتي بالرغم من ظنّي أننا فقدنا الثورة نفسها. فلقد تغيّر جيل الثورة على نطاق واسع في الوعي والفهم والإدراك، تجلّت واتّضحت لهكثير من المفاهيم، وتغلّب على أصنام الخوف. صار أكثر إقبالًا على التعلم وأكثر نضجًا. كان الكثير من أبناء هذا الجيل راكدًافي رحم التغييب والتفاهة، وجاءت الثورات لتنفض عنه غبار الجهل واللاوعي، فتحرك على إثرها ليكتشف ويتعلم ويفهم ما يدور من حوله، وما دارويدور في العالم، وبدأ يتأمل التاريخ، وكوّن معظم أفراد الجيل الثائر فهمه الخاص لما يدور، بغض النظر عن ماهية هذا الفهم، إلا أنَّه نجح في صنع قناعات ومفاهيم تحدد ملامح فكره وتوجهاته.

قد نكون فقدنا بالفعل في الجولة الراهنة كل آمال التغيير على نطاق الأوطان، لكن نطاقًا آخر قد تبقى، وهو التغيير على نطاق الأفراد، فإما أن نحاول استثمارهوخوض غماره، وإما أن نفقده هو الآخر لنضيّع بذلك كل ما تبقى لنا.

 

فهم الواقع

يؤمن المسلمون أن نبيّ الإسلام محمدًا كان على الحق في دعوته مذ أُمِرِ بتبليغ الرسالة للناس ابتداءً بقريش، ولا يشكك مسلم في هذا قيد أنملة. ولكن محمدًا بدأ الدعوة سرًّا وكذلك هاجر من مكّة مع أنه كان على الحق.

الحقيقة أن محمدًا لم يكن أبدًا ليرضى الدنية في دينه، لكنه كان يعي أن تغليب المصلحة في كثير من الأحيان يقضي بالحفاظ على الحق وأهله بدلًا من دخول معركة صفرية مع الباطل، يضيع فيها الحق بضياع وفناء أهله.

 

المعارك الصفريّة

إن الزجّ بالنفس والمجموعات في معارك صفرية بحجة أن الحق سينتصر لا محالة، هو إهلاك للنفس واستنزاف يستغله الباطل لقهر الحق. ولو أننا طبقنا ذلك على المثال السابق، لكان من المفترض أن يبقى محمدٌ ومن معه في مكّة لأنهم على الحق يجابهون أهل الباطل. ولو كان مجرد التواجد في جانب الحق ضمانة للانتصار، ما انتصر الباطل جولات كثيرة على الحق على مدار التاريخ. تكون العبرة في الأغلب بالوسائل التي يمتلكها الحق في مواجهة الوسائل التي يمتلكها الباطل لينتصر أحدهما، فمن علت وسائله رجحت كفته. كونك على الحق لا يعني سوى أنك تناضل لغاية نبيلة، قد تحظى بتأييد ربانيّ لأنك على الحق، لكن لا تنتظر أن يكون النصر حليفك وأنت لا تأخذ بأسبابه.

أظن أن إدراك الواقع يحكم بأن الجيل الثائر هو على الحق وينادي به، لكنه كذلك يدلل أنه من السذاجة بمكان محاولة النضال في سبيل هذا الحق في معارك صفرية محسومة، كأن تكون التظاهرات السلمية في مصر وسيلة للوصول إلى التغيير المنشود وإسقاط نظام عسكريّ لا يتورع عن قتل العُزّل والتعذيب والاغتصاب والإخفاء القسريّ. إن كانت المسيرات والمظاهرات والاعتصامات وسيلة نجحت قبل ذلك، فإنها لن تنجح دومًا، ولن تجدي الآن في ظل التغييرات والمدخلات المختلفة شكلًا وموضوعًا عن السياق الذي نجحت فيه تلك الثورات، إن جاز أن ندّعي أنها قد نجحت لوهلة.

إنّ إيماننا أننا عرفنا الطريق إلى تهديد أركان الأنظمة وهزّ عروشها بالتجمع في الميادين، لم يكن إلا محض وهم أنتجته سذاجة اللحظة ونشوتها، وتنضم الآن إلى قائمة القناعات التي ينبغي أن يكون قد أصبحنا فيها أكثر فهمًا ووعيًا ونضجًا.

سيكون من الإنصاف أن لا نحملّ القواعد المتحمسة وحدهم مسؤوليةعدم فهم الواقع وإدراكه والولوج في المعارك الصفريّة، إنما ما يقتضيه المنطق السويّ أن يذهبنصيب الأسد للقادة الذين يوجّهون القواعد. يكْمُن حجر الزاوية في التمكن من أدوات القيادة من عدمه، فإن افتقرت القيادة إلى الوسائل والرؤية الواضحة، وجَّهت قواعدها بكل عشوائية وتخبط.

لقد هاجر محمدٌ ليُعدَّ قوةً للحق وأسبابًا ينتصر بها، فعاد إلى مكّة فاتحًا. كان محمدٌ قائدًا فذًّا حينما أدرك الواقع إدراكًا كاملًا ثم تحرّك وحرّك قواعده بناءً على رؤية وتصور واضحينلذلك الواقع.

على النقيض تمامًا يظهر عيانًا لكل محاولٍ لقراءة المشهد الراهن أن القيادة المهلهلة للجماعات والتحزبات المختلفة تفتقر بالكليّة إلى أيّ من أدوات القيادة وفهم الواقع ورؤية للحراك الذي تقوده، فلا تعرف إلى أين تقوده، ولا الغاية منه سوى شعارات جوفاء فقدت بريقها مع طول الأزمة. بلإنها لا تمتلك حتى جوابًا منمقًا ولو في صيغة سطحية لسؤال: وماذا بعد الحراك؟

أضف إلى هذا أن محمدًا كان على حقٍ مطلق لا تشوبه شوائب، لكن الأمر في حالنا يحتاج إلى مراجعات كثيرة عن نسبية الحق وعن الأخطاء التي ارتكبت، وما هي الأخطاء التي وقع فيها المطالبون بالحق؟ ومدى شرعيّة وأخلاقية الوسائل التي اتبعت؟ كل هذه أسئلة تحتاج إلى أجوبة وبحث وتمحيص.

ليس النضال في سبيل الحق هو المهم وحسب، فالكيفيّة والوسائل والأسباب في سبيل النضال لهذا الحق لا تقلّ أهميّة عنه بحال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد