حمل الثالث من يوليو (تموز) 2013 الرياح الصاعقة التي استقبلها الإخوان بعناد ولم يميلوا لها، وللموقف آراء؛ فلقد كان حلمهم في تغيير الوطن وخدمته ما زال في مهده، هل سيفرطون فيه بسهولة؟ ولكن جاءت رياح 14 أغسطس (آب) لتقتلع ما تبقى من أشجار الأمل، وزهور الحلم؛ فكان «فض رابعة»، بداية حملة ممنهجة؛ لوأد كل أمل إخواني في حكم البلاد، أو خدمة العباد.

شهد عام «مرسي» كثيرًا من النجاحات، وكثيرًا من الإخفاقات؛ نظرًا للحرب التي أعلنها عليه رجال «جبهة الإنقاذ» مع «الإعلام المرتزق»؛ الذي يهون الإنجاز، ويعظم السلبيات، ويؤجج الفتن، ويقنعون الشعب بما يرونه بقلوبهم الحاقدة

 عيون الرضا عن كل عيب كليلة        كما أن عين السخط تبدى المساويا

وبالرغم من كل معاول الهدم التي كانت تعمل أيام «د. مرسي»، لم تنهر الدولة كانهيارها في الوقت الراهن. وكثيرًا أفكر ماذا لوكان هؤلاء وضعوا طاقتهم في خدمة الرئيس والوطن؟ ماذا لو تكاتف الجميع لإنجاح أول رئيس منتخب في حياة مصر؟ّ أم أنهم أيقنوا بعدم فوزهم على الإسلاميين في أي انتخاب، فاستدعوا الانقلاب؟

وماذا حدث بعد الانقلاب؟ هل شعر الشعب بغياب الإخوان؟ وهل وجد الإخوان من ينصفهم؟ وما أخطر ما واجه الشعب بعد غيابهم؟

مات أكثر من 5000 آلاف منهم في يوم الفض ومابعده، واعتقل أكثر من 100 ألف من خيرة شبابهم، وسافر أكثر من 20 ألف ممن يطاردهم النظام الغاشم! فهل استراحت مصر منهم، كما يروق لعدد من أنصار «السيسي» قول ذلك؟ وهل استفادت مصر من غيابهم؟ وسعد الذين هللوا، وقالوا «الحمد لله الجيش خلصنا من الإخوان»!

ونعرض بعضًا من تأثير هزيمة الإخوان وعزلهم عن الحكم، ثم مطاردتهم وحبسهم؛ مما أدى لغيابهم عن المشهد المصري في عدد من المحاور.

المحور الإنساني

كان الانقلاب على شرعية الرئيس انقلابًا شاملًا؛ فلقد غير كيان الشخصية المصرية؛ ففي نفس الشارع بيت ينوح على فقيده، وبيت يرقص فرحًا بمن قتل الفقيد، امرأة تتململ حزنًا لفقدها عائلها أو ابنها، وامرأة ترقص على أنغام أعدت خصيصًا لتعليم الشماتة، وتشتت الناس وتشتت فكرهم، وأصبح الحوار بالأسنة والرماح! فلم يقتل الانقلابيون الإخوان، إلا بعد قتلهم لإنسانية الشعب عن طريق الإعلام الذي شيطن لهم الإخوان، وزين لهم فعل أعداء الإخوان، بدأ المنافقون يبررون القتل للقاتل، ويغنون ويرقصون على جثث جيرانهم الذين لم يعلموا عنهم غير كل خير، وأصبح القاتل بطلًا، وغدا المقتول إرهابيًا، وأصبح المتعاطف مع المظلوم خائنًا، وصار من يصل ود الضعفاء عميلًا.

ولعل الإخوان مازالوا في حيرة من تحول الشعب الذي اختارهم في خمس استحقاقات انتخابية، فهل هذا الشعب الشامت هو من كانوا يخدمونه، وعبر عن حال الحيارى قول «د. القرضاوي» في نونيته

أفهكذا يجزى الجميل بضده       أين الوفاء وأهله؟ دلوني

واهًا لهم، كم أسرفوا وتحيروا   في وصفنا من يسرة ليمين!

قالوا ويا للضلال ما قالوا فكم   كالوا لنا تهمًا بمحض ظنون!

وعزاؤنا أن النبي – فديته         بأبي وأمي – كم رُمِى بطعون! 

المحور الديني

تأثرت المساجد كثيرًا بغياب الإخوان؛ فالمساجد التي كانت تتزيين بالمصلين داخلها وخارجها لم يكتمل فيها صفان بعد الانقلاب، وأصبحت سنة الاعتكاف مقتصرة على عملاء أمن الدولة أو منافقيها، إلا من رحم ربي، وأصبح من يتحدث بالدين متهمًا، وشيطن الإعلام رجال الدين، وزين الخائنون من رجال الدين للشعب القتل والانتقام وشوهوا على الناس دينهم، وما كان ليتم ذلك لولا ابتعاد الإخوان عن المشهد الدعوي بمصر.

المحور الاجتماعي

كان الانشقاق المجتمعي من أخطر المصائب التي أحدثها الانقلاب؛ فالأخ يشكك في أخيه، والعائلة منها المؤيد والمعارض، وأصبح البلطجي قدوة وأسطورة برعاية الإعلام المصري، ولعل انتشار الجريمة في مصر بعد الانقلاب، وانتشار ظاهرة الجهر بالمعاصي كان من أخطر المثالب التي ظهرت؛ وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدرُ؛ فما كان كل ذلك ليحدث وقت وجود الإخوان وسط الناس؛ فلقد كانوا حائط السد لكل انحراف، وكانت حملاتهم الدعوية والقيمية بالمساجد والمدارس والشورع تضفي على الحياة بمصر الصبغة الإسلامية، حتى ولو بنسبة معتدلة؛ ففي كل قرية كان الإخوان يستوعبون في دروس علمهم ما لا يقل عن 40 % من أشبال القرية، و25% من شبابها، و15% من بناتها في المتوسط العام، بالإضافة إلى الحملات التوعوية، والخطب المنبرية التي كانت تستهدف الجميع، فكانوا كالغيث أينما حل نفع؛ فهل كان ينزل في أرض بور؟

وبكل ساحات العطاء جنودهم        للقفر في الأوطان كالأنهار

فكان لهم في كل مركز مستشفى، وعدد من الجمعيات الخيرية التي تهتم برعاية الفقراء، ومدارس تربي الطلاب تربية إسلامية؛ ولذا، فحين صادروا أموالهم، لم تكن قصورا ولا بنوكًا، كرجال مبارك – التي استعادوا ما سرقوه – بل كانت مستشفيات ومدارس وجمعيات.

 المحور السياسي

أصبحت مصر بعد الانقلاب ميدانًا للصراع؛ فهناك حروب بسيناء بين الجيش والأهالي، تحت غطاء الإرهاب المحتمل، والشوارع أصبحت صراعًا بين الدولة وكل ثائر.

وأصبحت إسرائيل دولة صديقة تقف معنا ضد تركيا وفلسطين وقطر (الدول الأعداء)، وأصبحت مصر سجنًا كبيرا يحرسه رجال الشرطة والجيش .

 المحور الاقتصادي

كانت شعارات «بكره تشوفوا مصر» و«مصر أم الدنيا» هي المُسكِن الذي يلوكه المؤيدون للرئيس المنقلب، وبالرغم من أنه حول الدولة في خطاباته من دولة إلى «أشباه دولة».

لقد وقف مع السيسي بعد إزاحته للإخوان الجيش والشرطة والقضاء والإعلام وأنصار مبارك والأقباط والغرب والخليج؛ ومع ذلك لم تفلح مساعيه، ولم تثمر أموالهم؛ فشغل الشعب بمشاريع مردودها الإعلامي أكبر بكثير من عائدها المادي: فمن قناة السويس الجديدة، إلى المؤتمر الاقتصادي، مرورًا بالمليون وحدة سكنية … وهكذا .

ولكن الدولار لم يكن يعترف بمشاريع السيسي البالونية؛ فواصل تألقه أمام الجنيه، حتى وصل إلى 13 جنيهًا، بالرغم من أنه وصل إلى 6.70 أيام مرسي؛ فقامت الدنيا ولم تقعد.

وها هي مصر في طريقها لأخذ قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار؛ ليصل نصيب الطفل المولود في ديون البلد إلى 27 ألف جنيه.

هذه مصر التي أرادها العسكر، انظر كيف خسرت حين حاربت رجالها، ولاحظ كيف تأثرت حين سجنت أخلص شبابها، واعلم أن لعنة الدماء تعوق حكامها، وأن دموع الأيتام والأمهات تعرقل تقدمها، وأن لدعوات المظلومين رصيد في السماء، فلا يستهينون بها؛ فهل سيفيق الشعب من غيبوبته، ويعيد للوطن رونقه، ويعيد للمظلومين حقوقهم؟ أم أن مصر ستواصل النزيف حتى إشعار آخر.

تساؤلات كثيرة من فيض الحنين للوطن الحزين؛ فهل الثوار قادرون على العودة لبيوتهم منتصرين؟ وهل الشعب عرف بأثر غياب المصلحين ويتوق لعودتهم؟ وهل في الأفق أمل لعودة مصر إلى مصلحيها، ولعودة مصلحيها لها؛ ليعمروا كما عمروا، وليزرعوا فيها الخير والفلاح؟

تُرى هل يرجع الماضي؟ فإني        أذوب لذلك الماضي حنينًا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد