تسعون عامًا من الدعوة إلى الإصلاح، 90 عامًا من النضال والكفاح ضد الفساد، 90 عامًا من مناهضة الظلم والاستبداد، حققت فيها الكثير من الإنجازات، وقدمت فيها الآلاف من الشهداء، وبذلت فيها الوقت والمال والأعمار، ووفرت فيها الكثير من الخدمات المجتمعية للفقراء والأيتام، وربت فيها الكثير من الفتيان والفتيات، كل هذا نقوم بسرده إجمالًا واختصارًا، إحقاقًا للحق، حتى لا يتهمنا قارئ انتقاداتنا لها فيما بعد، ويدعى أننا نبخس حقها من التقدير والاحترام، أو أننا نقلل من جهودها وإنجازاتها.

لكن هذا كله لا يمنع كونها حققت العديد من الإخفاقات والهزائم والخسائر، وخسرت كمًا لا يستهان به من التأييد والمساندة، وسببت لنفسها ووطنها عددًا من النكبات والمحن، وكانت إحدى معاول الهدم، دون قصد طبعًا، لكن نيتها ربما تشفع لها عند رب العالمين، أما في الدنيا فلا شفاعة ولا عذر من قِبَلِ أولئك الذين تحطمت آمالهم، وخسروا حاضرهم ومستقبلهم، وفقدوا الأمل في استعادة ثورتهم بما تحمل من أحلام وطموحات، فيما كانوا ينشدون من عيش، حرية، عدالة اجتماعية، وها هم عادوا ليعيشوا من الثلاثة مجتمعين مرة أخرى.
ليس وراء ذكر تلك الأخطاء تحميل الإخوان المسلمين وحدهم مسؤولية ما آلت إليه البلاد بالتأكيد، فالكل له دور، والكل مسؤول بشكل أو بآخر عن فشل ثورة يناير ونجاح الثورة المضادة وتمكن العسكر من مقاليد الحكم والقبضة الحديدية، بل قل الفولاذية التي يحكمونها حول رقاب العباد.

الجماعات الأخرى مسؤولة، وأحزاب المعارضة كلها تتحمل جانبًا غير مستهانٍ به من المسؤولية، والنخبة المثقفة وشباب الثورة كذلك، ولا يبرأ العوام من خطيئة الانخداع المهين بكل أكاذيب الدولة العميقة وأبواقها الإعلامية، وليس مقبولًا منه بحال أن يؤيد ويدعم أو حتى يسكت على أقل تقدير عن سيل الأكاذيب والإشاعات المغرضة عن شباب وأناس طالما وجد على أيديهم الخير، والخير فقط، بينما لا يخفى على صغير قبل الكبير أن تلك الأذرع الإعلامية هي رمز للنفاق والكذب وانعدام الشرف، وثبت تلونهم للجميع، ليصير الانخداع بهم بعد كل ذلك خطيئة لا مجرد خطأ.

فلماذا التركيز في تحليل أسباب فشل الثورة على الإخوان المسلمين إذًا؟ إن السبب الرئيس وراء ذلك هو أنهم الفصيل الأكبر والأقوى بين كل الفصائل المناهضة للظلم والاستبداد، وهم مثلوا الأمل للملايين في تحقيق أهداف ثورة يناير، وهم أقوى تنظيمًا وتماسكًا من كل من عداهم من الجماعات والأحزاب، وهم يتواجدون في كل حي إن لم يكن كل شارع في الدولة، وهم القوة الوحيدة التي طالما ناطحت الحزب الحاكم والحكام على امتداد عقود تسعة حتى الآن، وأخيرًا لأنهم تولوا فعلًا مقاليد الحكم واستلموا قصر الرئاسة، وهما ظاهرًا قمة أسباب التغيير.

أخطأ الإخوان المسلمون بداية حين لم يناصروا الشباب في إضرابهم العام في 2008 فكانت ضربة قاصمة للمحتجين والتي أضعفتهم ووأدت ثورتهم في مهدها، ولم يغفرها شباب 6 أبريل (نيسان) حتى اليوم، بل أخذوها تكئة لكل مرة يخذلون الإخوان فيها، ثم اكتمل الخذلان بأحداث محمد محمود المخزية وتصريحات الإخوان في مجلس الشعب التي أوحت للجميع بتخليها عن الثوار في الشوارع وتسليمهم لقمة سائغة ينهشها العسكر بأنيابهم.

أخطأ الإخوان المسلمون قبيل 25 يناير (كانون الثاني) حين كان تصريحهم بخصوص حراك الشباب في عيد الشرطة مائعًا، كعادة الكثير من التصريحات قبل ذلك وبعده، فكان الإعلان عن عدم المشاركة فيه رسميًا وعدم دعوة شباب الجماعة إلى النزول في الشارع، ورغم ذلك فإن الجماعة لن تمنع من يرغب من الشباب أن يشارك في الحراك المعلن عنه مسبقًا، ربما كان الدافع وراء هذا النوع من التصريحات له خلفية سياسية وهدف ومسوغ مقبول حينها، لكنه يظل نكتة سوداء في قلب كل ثائر تجاه الإخوان المسلمين، حتى أنه ما زال الكثيرون اليوم يكررون مقولة الإخوان ركبوا الثورة، طغى هذا البيان الرسمي الذي أعلنه الدكتور عصام العريان – فك الله أسره – على حقيقة مشاركة شباب الإخوان في الإعداد للحراك، وفي الحراك نفسه في اليوم التالي.

أخطأ الإخوان المسلمون، بقصد أو دون قصد، حين تعجلوا أن يمثلوا الأغلبية في البرلمان بشعبتيه مجلسي الشعب والشورى، فكان ذلك حافزًا للدولة العميقة أن تسقط وتلغي دور الاثنين أو أحدهما على الأقل في أقرب فرصة.

أخطأ الإخوان المسلمون حين اكتفوا في برنامجهم السياسي الذي قدمه حزب الحرية والعدالة بخطوط عامة نوعًا ما، فلم يرقَ البرنامج مشروع النهضة إلى درجة البرنامج التفصيلي القادر على إدارة الدولة.

أخطأ الإخوان المسلمون حين تعجلوا الانخراط في سباق الانتخابات الرئاسية، وهو النهج الذي طالما تجنبوه في كل حراكهم، في النقابات مثلًا، كانوا دائمًا يتقدمون إلى العضوية لا الرئاسة، كذلك مجلسي الشعب والشورى، فلم يتقدما يومًا محاولين رئاسة أحدهما، فكانت خطوتهم بالترشح للرئاسة خطأً لا يغتفر مهما كانت المبررات.
أخطأ الإخوان المسلمون حين وضعوا ثقتهم في أعضاء المجلس العسكري، رغم أنهم ذاقوا الويلات على أيدي العسكر وزبانيته لعقود طويلة.

أخطأ الإخوان المسلمون حين كانت آذانهم تسمع لشركاء الثورة دون إنصات حقيقي، والتعالي عليهم مدعين حسن الفهم والفراسة دون غيرهم، وأوضح مثال هو تعليقاتهم على إنذارات أسد الميادين الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل، والذي بُحَّ صوته محذرًا من المجلس العسكري حينًا خاصة وزير الدفاع، ومن القضاة حينًا، ومن مدينة الفساد والإفساد والمتحدث الرسمي باسم الثورة المضادة والمتمثل في مدينة الإنتاج الإعلامي، فلم يؤازر الإخوان المسلمون، لا قيادة ولا حزبًا ولا حتى أفرادًا، لم يؤازروا السلفيين التابعين للشيخ حازم في قضاياه الثلاثة، والذين وللأسف الشديد كانوا ثلاثتهم مثلث الإعدام للإخوان المسلمين أنفسهم قبل غيرهم.

أخطأ الإخوان المسلمون حين فشلوا في احتواء شركاء الثورة، سواء كان هذا الفشل مبررًا أم لا، لا ينفي تبريره كونه فشل ذريع، أدى إلى انقسام الشارع المصري دون أمل قريب في لمِّ شمله.

أخطأ الإخوان المسلمون حين وثقوا في مدير مخابرات مبارك، بل وصل الأمر إلى انتشار إشاعة أن السيسي من أقارب الإخواني الكبير الحاج عباس السيسي، وكان المدح في أخلاق وولاء السيسي وشخصية وقوة صدقي صبحي تصل إلى أفراد الصف الإخواني في الداخل والخارج.

أخطأ الإخوان المسلمون حين لم يلجأوا إلى الشعب متترسين به ضد ما يحاك له من مؤامرات، فكانت التطمينات هي الأصل، حتى حين نزلت الدبابات الشوارع قبيل الانقلاب بأيام، كانت التطمينات أن الجيش نزل الشوارع ليحمي الشرعية الدستورية ويحمي مكتسبات الثورة.

أخطأ الإخوان المسلمون في التعامل مع الانقلاب العسكري، وكانت ردود أفعاله متخبطة تنمُّ عن صدمة هزت كيانهم، بدءًا باختيار ميدان رابعة العدوية دون الاتحادية أو التحرير على سبيل المثال، وكان الخطاب الإعلامي للمنصة دون مستوى الحدث بشكل فج، واعتماد الخطاب الحماسي والرؤى والأحلام دون الفعل المثمر، كل ذلك وغيره كان يمثل ترنحًا للجماعة لا ترنحًا للانقلاب كما دأب المسؤولون على تعبير الانقلاب يترنح حتى صارت عبارة مثيرة للسخرية أينما قيلت.

أخطأ الإخوان المسلمون حين افتقروا إلى آليات فاعلة محددة لإسقاط الانقلاب، ربما لأن دعم الانقلاب هو في الأصل مَحَلِّيٌّ وإقليمي ودولي، لكننا نكرر أن التبرير للفشل لا يزيل عنه حقيقته، إنما يخفف فقط من حدة الشعور بالضيق والامتعاض من صاحبه.

أخطأ الإخوان المسلمون في تقدير الموقف وحساب المعادلات في البيئة التي أحدثها الانقلاب في الشارع المصري، فكانت الثلاثية؛ الإنهاك والإرباك والإفشال والتي ستؤدي بدورها إلى الحسم، كانت تلك الثلاثية تؤكد غياب الرؤية عن واقع الشارع، واعتماد القرار على رفع عاطفي للواقع، لا على رصد دقيق لمفرداته.

أخطأ الإخوان المسلمون عندما ضعفت القيادة وتلاشت وحدة التوجيه لديه، فتخبط الصف الداخلي بين مؤيد للعنف ومعارضٍ له، فكان الانشقاق في الصف، وتأخرت خطوات التئام الجراح بين المكاتب الإدارية، حتى سعى الساعون إلى مد اتساع الهُوَّة بين أفراد الصف في الشارع المصري؛ مما انعكس على الخارج بنفس الكيفية، فظهرت أمام الناس وفي وقت غير قليل جماعتان، ولكل منهما متحدث رسمي ومركز قيادة، وكلاهما تحت اسم؛ الإخوان المسلمون، وفي كل منهما قيادات ليست بسهلة المكانة ترتيبًا قياديًا أو ناريخًا دعويًا أو نضالًا سياسيًا.

أخطأ الإخوان المسلمون حين استمروا في مناهضة الانقلاب العسكري لسنوات، ثم لم يصلوا عبر كل تلك السنوات إلى رؤية واضحة المعالم محددة المفردات والوسائل، لكنها ما زالت حتى الآن تعتمد على رؤية الصبر والثبات، والتي لا شك أنها أساس كل نجاح، لكن العمل على الأرض يحتاج إلى آليات وخطوات، يحتاج إلى إستراتيجية مدروسة ومكتوبة يطلع عليها أهلها، حتى لو تذرع البعض بحتمية سريتها وعدم قبول نشرها حتى لعموم الصف الإخواني، لكن الواقع يقول غير ذلك، فالأفراد داخل الصف الإخواني يأملون فقط في التأكيد على أن الجماعة لديها رؤية محددة، دون أن يطالبوا بالاطلاع عليها إن كان في ذلك خطر، المهم هو الطمأنة بأن هناك رؤية واستراتيجية لإسقاط الانقلاب العسكري، ولو بعد حين.

هذه بعض أخطاء الإخوان المسلمين تجاه الثورة وبخصوص الانقلاب، ولهم بالطبع أخطاء أخرى، لكن هذا ليس المجال لمناقشتها، وربما يكون لأخطائها الفكرية وغيرها مجال آخر.
يطيب لي في الختام التأكيد على أن تلك الجماعة المباركة ما كانت لتتعرض لكل ذلك الهجوم الخارجي، والنقد والمراجعة الداخلية، إلا لمكانتها في القلوب أولًا، ولأدوارها التي لا ينكرها عاقل في مختلف المجالات ثانيًا، كذا لحجم الآمال التي تتعلق بها وبأفرادها في قدرتها على أن تلعب دورًا كبيرًا في انتشال الدولة والأمة كلها مما هما فيه الآن من ظلم واستبداد وتخبط وذلة على الأبواب.

هي دعوة إذًا للجميع، لكن في مقدمتهم الإخوان المسلمين، دعوة لعمل مراجعات جادة، مراجعات تبدأ من أبجديات الأيديولوجية الفكرية الأساس، وتنتهي بتجديد إستراتيجيات التعامل مع مفردات الواقع بلا استثناء، مرورًا بمراجعة الخطاب الدعوي، والخطاب السياسي، وآليات تربية وإعداد أفراد التنظيم، ووسائل وقنوات وآليات التعامل مع الغير، المؤيدين والمخالفين وحتى المعادين، بحيث تكون تلك المراجعات ميلادًا جديدًا، يحيي الأمل في قيامها بدورها المنوط بها، ليجني الجميع ثماره، ويطمح الطامحون في بث الحياة في شرايين الربيع العربي من جديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد