في القرون السابقة كان النضال من أجل البقاء يُعد هدفًا وسعيًا كافيًا ليعطي معنى وقيمة للحياة، ولكن مع التقدم في التكنولوجيا الذي أدى إلى توفير أوقات كثيرة من الفراغ، نجد أنفسنا في نهاية اليوم محاصرين بأسئلة من أمثال:
ما معنى هذا كله؟ لمن أفعل هذا ولماذا أفعله؟ وهل هذا مهم حقًا؟ ومن هذه النقطة تحديدًا طوّر العديد من أطباء علم النفس علاجًا ليساعد الناس على التعاطي مع هذه التساؤلات التي تسبب القلق والتوتر.

من أشهرهم أخصائي الطب النفسي فيكتور فرانكل الذي أسس ما يعرف بمدرسة فيينا الثالثة في العلاج النفسي بعد فرويد وأدلر وهي «العلاج بالمعنى، Logotherapy» الذي يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية هي: حرية الإرادة، إرادة المعنى، معنى الحياة.

«يمكنك أن تأخذ كل شيء من الإنسان عدا شيئًا واحدًا: حرية الإنسان في اختيار موقف محدد في ظروف معينة».

في كتابه «إرادة المعنى» يشرح فرانكل كيف أن حرية الإرادة الإنسانية ليست هي الحرية من الظروف ولكن هي حرية اتخاذ موقف معين تجاه الظروف التي قد تواجه الإنسان.

«إرادة المعنى»

  • لماذا نفعل ما نفعله؟

فرانكل يعتقد أن الإنسان يفعل ما يفعله لاستكشاف معنى وجوده، وأطلق على ذلك مصطلح « إرادة المعنى، The will to meaning».

وهو يضيف في ذلك على نظريتين شائعتين في علم النفس أولاهما تعود لفرويد الذي يعتقد بأن الغاية من أفعال الإنسان هي الحصول على اللذة لاستعادة التوازن وتجنب الألم والتوتر ( إرادة اللذة)، ثانيهما لأدلر الذي يعتقد أن الغاية هي الحصول على النفوذ والقوة ( إرادة القوة).
ورغم أن فرانكل لا يعترض على الفكرتين السابقتين في تفسير سلوك الإنسان إلا أنه يرفض أن يكون الإنسان «ليس أكثر» من باحث عن اللذة أو القوة.
إذ إن اللذة والقوة ليستا الغاية من النشاط الإنساني بل هي آثار جانبية لتحقق الغاية الأولى للإنسان وهي إرادة المعنى، وعند فشل الإنسان في تحقيق الغاية الأولى فإنه يصبح إما قانعًا بالقوة أو مستغرقًا في اللذة.

  • ما الذي يجعل منا كائنات إنسانية؟

على عكس الحيوانات التي تكون مقيدة بالنوع البيولوجي والبيئة التي توجد فيها، يكون الإنسان مُتفتحًا على العالم ومُدركًا له بما فيه من كائنات وطبيعة، فكون الإنسان إنسانًا يعني دائمًا توجههُ نحو شيء آخر غير ذاته، إما نحو كينونة إنسانية أخرى ليحبها أو يفهمها أو نحو معانٍ وقيم ليحققها.

«معنى الحياة»

  • هل يوجد للحياة معنى؟

تكون الحياة ذات معنى عندما يبدأ الإنسان بتحمل المسؤولية تجاه نفسه ويتجه نحو دوره في الحياة، والمقصود ليس معنى الحياة بصفة عامة ولكن المعنى الخاص الذي يكوّنه الشخص عن الحياة في موقف معين، حيث يختلف المعنى من شخص إلى آخر ومن ساعة إلى أخرى ومن موقفٍ لآخر، وهكذا قد يتغير المعنى ولكنه لا يتوقف أبدًا عن أن يكون موجودًا.
وعند شعور الإنسان باللامعنى والفراغ فإنه يكون تحت وطأة ما أسماه فرانكل بـ« الفراغ الوجودي، The Existential Vacuum» الناتج عن إحباط إرادة المعنى، والذي يعبر عن نفسه في حالة من الملل والشعور بالفراغ الداخلي وبأنه لا شيء ذو قيمة أو معنى في الحياة.

  • إذًا كيف يمكن تحقيق معنى الحياة؟

يمكن للإنسان أن يكتشف ويختبر معنى الحياة عن طريق القيام بإنجاز ما أو باكتشاف معاني الخير، الجمال، العدل وما إلى ذلك، وكذلك من خلال تحقيق القيم، وقد صنف فرانكل القيم إلى ثلاث مجموعات: قيم إبداعية، قيم تجريبية، وأخيرًا قيم موقفية.

  1. القيم الإبداعية: وهي ما يقدمه الإنسان للمجتمع والعالم في صورة ابتكارات. وكذلك العمل المُتقن – مهما كان نوع العمل – بما فيها الأعمال اليومية في المنزل أو في أي مكان هي أداة للتعبير عن الإبداع حيث يثري الإنسان حياة الناس من حوله ويعطيهم من وقته.
  2. القيم التجريبية: وهي ما يأخذه الإنسان من العالم في صورة خبرات وتجريب أشياء وتقديرها مثل الصداقة والحب، إذ تُعتبر معرفة شخص في عمق جوهره وتفهُّمهُ وحبه من أجمل الخبرات الإنسانية. كذلك تشمل القيم التجريبية
    السفر، حب المعرفة والقراءة، التأمل في الطبيعة، زيارة المعارض الفنية والمسرحيات وحضور الأحداث الرياضية.
  3. القيم الموقفية: تتحقق هذه القيم في حالة واجه الإنسان ظرفًا أو معاناة حتمية لا يُمكن تجنبها، حيث تبقى للإنسان حرية اتخاذ موقف من المعاناة ليحولها إلى شيء ذي معنى يقويه ويعلو به فوق آلامه.
    فحتى الموت يعطي للحياة معنى ويحدد مسؤولياتنا، فحقيقة أن الحياة يجب أن تنتهي في يوم من الأيام تجعل من الحاضر مُهمًا جدًا وإلا لتم تأجيل كل شيء.

«لكي تعيش عليك أن تعاني، ولكي تبقى عليك أن تجد معنى للمعاناة. وإذا كان هناك هدف في الحياة، فإنه يوجد بالتالي هدف في المعاناة وفي الموت».

لقد أُتيح لفرانكل أن يجرب نظريته حينما كان سجينًا في معسكرات الاعتقال لأربع سنوات إبان الحرب العالمية الثانية، وبعد خروجه من معسكرات الاعتقال اكتشف أن والديه، وأخاه وزوجته قد قُتِلوا جميعًا في غرف الإعدام بالغاز، وقد دوّن فرانكل تجربته في كتابه الشهير «الإنسان يبحث عن المعنى»، وبالتالي تكون هذه النظرية ناتجة عن خبرة إنسانية ومعاناة صعبة ومن الممكن استخدامها في عيش حياة ذات معنى.
قد يتحقق هذا المعنى من خلال الإنجاز والابتكار، أو من خلال تحمل الألم الذي لا فرار منه، وأيضًا من خلال تحمل المسؤولية تجاه الذين نحبهم ونحترمهم، وكذلك من خلال القيم التي نبني حولها حياتنا.

بالإضافة لفرانكل فإن هناك الكثير من الفلاسفة والمفكرين الذين أجمعوا من خلال تجاربهم التي مروا بها بأن الذي يجد معنى في ما يقوم به لن يكون قادرًا على التفريط في حياته، وفي ذلك الصدد يقول نيتشه «من لديه سبب يعيش من أجله، بمقدوره غالبًا أن يتحمّل أي شيء في سبيله، وبمقدوره غالبًا أن ينهض مجددًا، بأي شكل من الأشكال».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد