للإعلام مسؤولية كبرى في سرد تلك العلاقة القوية التي بين المجتمع والأحداث، فلو كان مخلصًا – نقصد بذلك الإعلام – كانت الأحداث مجرد مشاكل، تنتهي بانتهاء عرضها، وتتزايد بزيادة الكذب حولها، وزيادة الأمور التي تعمل على عكس الجانب الإيجابي للإعلام، فيسير جانبًا سلبيًا، يعزف عنه الناس، فلا يصبح بذلك جهة يمكن الاستناد عليها أبدًا، ومن ثم يضرب بأصحابها المثل في الشخص المتنطع، الذي ينحاز لأي من أصحاب المشاكل، إما صاحب المشكلة، أو المتضرر منها، فيصبح بذلك.. الإعلام فكاهة وسخرية! وليس جهة إعلامية إخبارية، فلا يصدق الناس أخبارها ولا أقوالها، ومن ثم فإن المشكلة أصبحت – بذلك أو قل: لذلك الأمر – مشكلة ضمير ميت، أو انعدام مصداقية، فلن يصدقها أحد. فلو أردنا أن نضحك، فلنشاهدهم، ولا أقصد بذلك الإعلام – المصري فقط، بل العربي والأجنبي، فرأيي حياد عن أي – ومن هنا المشكلة، كما قلنا.. مشكلة ضمير ميت، أو انعدام مصداقية، ومن حيث ذلك السياق.. نعرض عليكم بعض موجباته كما يراها كل شيء.

معنى الكلمة

إن الكلمة بيان على لسان صاحبها، فلو صدقت صدق، ولو كذبت كذب، وأتذكر بذلك بعض مأثورات من كتاب (الحسين ثأر الله – للكاتب عبد الرحمن الشرقاوي)، تلك التي يقول فيها معنى الكلمة، المعنى الحقيقي الصحيح، دون أي من المجازفات والتطاولات، والتي يقول عنها:

أتدري ما معنى الكلمة؟ – مفتاح الجنة في كلمة
ودخول النار على كلمة – وقضاء الله هو الكلمة
الكلمة لو تعرف حرمه زادًا مزخور – الكلمة نور
وبعض الكلمات قبور – وبعض الكلمات قلاعًا شامخات يعتصم بها النبل البشري – الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي، عيسى ما كان سوى كلمة – أضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين – فساروا يهدون العالم – الكلمة زلزلت الظالم
الكلمة حصن الحرية – إن الكلمة مسؤولية إن الرجل هو الكلمة – شرف الرجل هو الكلمة.

لسان صدق عليا

ومن ثم.. فإن الكلمة فرقان، أي: دليل وتفرقة، بين نبي، وبين بغي، فالبغي: من يعرف الكلام والتحدث، ومن يقارن الكلمة الغثة من الثمينة، ولكنه يختار – بإرادته – الكلمة الغثة، ويترك تلك الثمينة النافعة، التي تنفع ولا تضر، فيطيل على الناس كلامه، ولكنها للأسف دون جدوى منها، فذلك البغي، وأما النبي: ليس المقصود بها – هنا – رسول من الله – سبحانه وتعالى – ولكنها تدل على فصيح اللسان، قادر على اختيار الكلمة الغثة من الثمينة، فيقول ما يريد قوله باختصار دون مطاولة وتزايد، ومن دون جدوى، ومن ثم.. فإن الشخص المهتم بتقديم محتوى إعلامي، أو إعلاني، عليه اختيار الكلمة من أساسها، تاركا تلك البغي الغير نافع، الذي يعزي عن دون جدوى، غير تلك البغي والكلام، الذي نراه آثم ضار، وليس نافعًا يصار، إضافة إلى ذلك فإن العرض الإعلامي والإخباري لأي من تلك المشكلات الحقيقية، لابد وأن يكون عرضًا يليق بتلك المشكلة، ووصفًا يعزي عن نفع لحلها دون تزايدها دون حل أو جدوى، فقط.

إعلام وكلام

إن الأدب العباسي في عصوره الأولى، كان في بلاط الحكم، ولصالح الحاكم، وإن الجهة الإعلامية الوحيدة التي يستند إليها الحاكم العباسي هي الكاتب، فإذا ما أراد أن يتحدث بفخر وعزة عن نفسه، يستدعي كاتبًا، فيأمره بذلك، فيروح بالأسواق والتجمعات، وينثر أو يرتجل ما وسع له القدر، واتسع له الصدر، فيرضي حاكمه، فيطيب له صدره، فيقربه إليه! ولكن الآن – أيامنا هذه – الأمر تغير تماما، فهل الأمر هو الذي تغير زمنًا، والتراث باق لنا – حتى أيامنا – فعلًا؟! ومن تلك الجانب الآخر في مهاجمة الوجهاء والحكام، الذي أتذكره في قول لحطيئة، يهاجم فيه واحدًا من بني تميم، فيقول له: دع المكارم لا ترحل لبغيتها – وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي، وأما عن الأنبياء، فقد كانوا إعلام أنفسهم، لأنهم كانوا صادقين الوعيد، ومخلصين النفس، وقد كانوا جميعا لسان صدق عليا، وأما عنهم – نقصد بذلك الشعراء أو النثار – فقد كانوا حيادين عنهم تقريبًا، فهم متبعون من قبل الغاوين، إلا ابن ثابت، لذلك كان إعلام الأنبياء أنفسهم وقلوبهم، فقط.. وبهذا كان الوجهان لعملة واحدة، تلك العملة، المعروفة.. إعلام الأدب، فيهاجمون فيه من شاءوا، أو يبجلون به أرادوا، وبذلك كان الإعلام في هذه الدول، وتلك الأزمنة، فهل بقي لنا – في أيامنا – فعلًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد