«أنا الجنرال ديجول أدعو الجنود الفرنسيين الموجودين في بريطانيا أو من قد ينتهي بهم الأمر فيها؛ إلى الانضمام إلينا سواءً مسلحين أو عزل، أدعو المهندسين والعمال للانضمام إلينا، ومهما حدث يجب ألا تنطفئ شعلة المقاومة الفرنسية التي لن تنطفئ اليوم ولا غدًا، سأتحدث إليكم لاحقًا هنا من راديو لندن».

أذيعت هذه الكلمات من لندن للشعب الفرنسي بعد أن استسلمت حكومة فرنسا للاحتلال النازي، وظنت أنها ستجبر جموع الشعب علي الاستسلام لكن الجنرال ديجول كان قد غادر البلاد قاصدًا بريطانيا – الخصم التاريخي التقليدي لفرنسا – ليضع حجر الأساس للمقاومة الفرنسية ويشكل جيشًا من المنفى الذي يساند الحلفاء في تحرير أوروبا.

لاحقًا حُررِّت فرنسا من قبضة النازيين، وسيطر الحلفاء على برلين نفسها، لكن ما لم يلتفت له الكثيرون هو: التقلبات الدائمة في شكل العلاقة بين فرنسا وبريطانيا.

رغم الخصومة التاريخية فقد اتحدا معًا في الحرب العالمية الأولى والثانية، من ثم أصبحا عضوين في الاتحاد الأوروبي حتى خرجت منه بريطانيا ثم اتحدا مجددًا خلال احتلال أوكرانيا من قبل الروس في العام الحالي.

أما العداء القديم فكان وراءه السعي للسيطرة على بعض المستعمرات الأفريقية، وبعض المواجهات والحروب في قلب أوروبا في مرحلة سابقة على الكولونيالية.

وفي التاريخ الحديث عارضت فرنسا انضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبي مرارًا و تكرارًا، حتى في الحرب العالمية الثانية.. لم يكن تشارلز ديجول وتشرشل على وفاق طوال الوقت.

فهل هي فقط سياسة المصالح تجمعهم أم يوجد شيء ما نفتقر إليه نحن في مصر، لا نستطيع أن نراه لنتمكن من قراءة المشهد بشكل صحيح؟

في مصر عام 2014 انقلب العسكر على سلطة الإخوان بتأييد شعبي محدود؛ كانت فيه بعض القوى السياسية تؤيد نزع الشرعية من حكم الإخوان في مصر، وعلى الصعيد الآخر كان هناك من يؤيد استمرار الإخوان لحين انتهاء فترة مرسي الرئاسية المحددة بالدستور.

الكثير من القوى السياسية والمصريين في العموم يرون الإخوان خصمهم السياسي اللدود والتاريخي، ويختلف معهم في العقيدة أو المنهج وأحيانًا في كل شيء تقريبًا.

هذه الخصومة وهذا المشهد جعلني أذكر كيف أدارت الدور الكبرى خصومتها السياسية دون أن تؤثر على مصالحها؛ كما هو الحال في مثال فرنسا وبريطانيا، وهذا فقط من باب المقاربة وليس التطابق.

لم يستطيعوا إدارة خلافهم مع الدولة العتيقة، بل لم يستطيعوا أن يديروا حوارًا عاقلًا، ولا حتى من وجهة نظر براجماتية مع شركاء الميدان قبل سنة أو أقل.

فلجؤوا في النهاية إلى حشد قواعدهم وأبناء المشروع الإسلامي في الشوارع – ومنهم من كان يلوح بالعنف – فأصبحوا لقمة سائغة في فم العسكر، وانتهت الثورة المصرية بشكل تراجيدي واستخدم الجيش القوة المفرطة لقمع كل من يرفض حكم العسكر، وانتهى بنا الحال جميعًا في دولة عسكرية يحكمها جنرال لا يعي أهمية السياسية، ولا يفهم إلا لغة القوة.

وما الخطأ الذي وقعنا فيه؟

الأمم الديمقراطية كلها تؤمن بحق التعايش السلمي ليس مع المقربين، بل بالتحديد مع من نختلف كليًّا معهم، ويؤمن الجميع أيضًا بلغة الحوار حتى، ولو كرهوا النقاش برمته، ولكن إيمانهم بحق المواطنة، وحرية التعبير عن خلافاتهم الكلمة بمثلها، والحملة الإعلامية بمثلها، والمناظرة العامة بمثلها؛ حمى الدول وحافظ على السلم المجتمعي.

فكل من سكن هذه الأرض هو مواطن كامل الحقوق والوطن نمتلكه كلنا، ولا مكان لفئة يحبها الله لو تعد نفسها أكثر قيمة من غيرها؛ لأنهم يعلموا أن نهاية الاستقطاب تدمر الأمم وتضيع حقوق الناس.

ليس الجنرال السيسي وحده من آمن بالقوة؛ كلنا آمنا بالقوة في خضم الأحداث المتسارعة، ونسينا أهمية المواطنة والنقاش.

الإخوان سيطروا على السلطة من برلمان، مجلس الشورى، ومجلس وزراء، ولجؤوا للعنف في الشوارع لتخويف المعارضين، وآمن المعارضون بسلاح العساكر ورحبوا بقتل الإخوان في الشوارع فهلك الجميع، إما في الشوارع وإما في السجون، بل لاحقت الدولة كل من حاول الهرب بسحب جنسيته، كما حدث مع رامي شعث ومحمد سلطان؛ حتى وإن اختلفت معهم، فأنا لا أرضى لهم هذا الظلم.

واليوم سُلب المصريون حتى أقواتهم، بعد أن تدخل الجيش في الاقتصاد وظهر مصطلح العسكرتارية، التي يصف سيطرة الجيش على قطاعات واسعة في مجالات حيوية أو ما يعرف بالاقتصاد العسكري، والذي حذر من نتائجه الوخيمة رجال أعمال مصريون مثل: نجيب ساويرس، وباحثون مرموقون مثل: يزيد الصائغ، باحث رئيسي في مركز مالكوم كير كارنيجي للشرق الأوسط في بيروت.

ما الحل؟

الحقيقة أنني لو قلت أني أعرف الحل الفصل لمشكلة مصر، لأصبحت ممن يبيعون الوهم للناس، ولكن يكفيني أن أتقفى أثر المثاليين الذين يبشرون بيوم قادم لا محالة، نستطيع فيه أن نتناقش دون اللجوء للعنف، هذا قد يبدو دربًا من الخيال، لكني أؤمن أن الخيال هو واقع المستقبل، وما دمنا قادرين على تخيل مستقبل أفضل فهذا قد يكون مؤثر لقدرة بداخلنا على التغيير.

ليس بالضرورة أن يكون هذا التغيير من خلال ثورة كما حدث قبل 10 سنوات، ولكن إيماننا بالديمقراطية، لقيمة عليا، والمواطنة كآلية آمنة للعبور للمستقبل، وحرية التعبير ضمانًا لنبذ العنف؛ قد تكون هي ثورتنا السلمية القادمة.

هذا الأمل قد يبدو مستغربًا ما دمت مهجرًا رغمًا عني خارج مصر، لكن هذا الأمل استمده من علاء عبد الفتاح التي يتم التنكيل به في سجون كل الأنظمة منذ قيام الثورة، واليوم يكمل 45 يومًا مضربًا عن الطعام، رفضًا منه لسوء المعاملة، والمنع من الزيارة التي يتعرض لها هو وأسرته.

أتمنى الحرية لعلاء وكل ما يمثله علاء من قيم، وأن نجد حلًّا معًا كمصريين نعيش في جغرافيا واحدة أو على الأقل بوجدان مشترك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد